برامج تلفزيونية عربية تبحث عن التسلية دون مضمون

ينطوي التوجه العام للذائقة العربية المتناولة للبرامج التلفزيونية، تحت عنوان عريض هو “برامج المنوعات” التي تحيل مباشرة إلى عنصر الترفيه اللازم فيها، حيث التسلية صفة أساسية من صفاتها، وللأسف تكاد تكون الوحيدة في كثير من الأحيان.
الأربعاء 2015/05/06
برامج المنوعات تضاعف عددها في زمن الثورات العربية

عبر نظرة عامة ترصد وتسترجع الأوساط الاجتماعية العربية، منذ أن ظهرت المحطات والقنوات الفضائية، نكتشف أن معظم التوجهات تميل إلى متابعة برامج المنوعات التي أصبحت مؤخرا كثيرة لا نستطيع عدها أو إحصاءها. الأمر الذي يترجم، دون شك، راهنا قائما ينمو على مقومات هشة وهزيلة ثقافيا وفنيا، وتراه يبرز المظهر الاجتماعي الخاص بمجتمعات العالم العربي المترامية على أطراف الفكر والوعي العالمي.

وفي المقابل ثمة ندرة حقيقية للبرامج ذات المضمون الثقافي والفني الرصين، هذا إن لم تكن معدومة أساسا، الأمر الذي يرسم الطابع المحلي العام وعلى جميع الأصعدة، حتى السياسية والاقتصادية منها.

في حين تحاول بعض برامج المنوعات أن تعتمد أفكارا وعناصر ذات مستوى جيد نوعا ما، نجد بعضها الآخر مبتذلا لا يقدم للمتلقي سوى التسلية المبتذلة بأبعادها التجارية الربحية، غير مهتمة على الإطلاق بالارتقاء بذائقته وتقديم ما هو ممتع ومفيد في آن معا. ومن هناك بات الربح هو الهدف الأساسي لبعض هذه البرامج، إلى جانب هدفها المتمثل في تشويه الوعي الإنساني العربي. وهو الأمر الذي بات كثيرون يؤمنون به لكن دون جدوى لكل محاولات التغيير أو حتى التعويض.

فضلا عن كون هذه البرامج تأتي في أغلب الأحيان عبارة عن نسخ فاشلة شكلا ومضمونا عن برامج أجنبية على القنوات والمحطات الغربية. وهنا نحن لا نقول بأن النسخة الأصل ترتقي بالوعي وتقدم لمجتمعاتها ثقافة أكاديمية أو نخبوية، إنما نشير إلى أن النسخ المعربة منها تأتي أكثر سوءا وكارثية بصورة أكبر.

كذلك تشوّه برامجنا المنوعة بالمادة الاستهلاكية التي تنشرها، المفاهيم والجماليات الأساسية في حياة المجتمعات. مع التركيز على المصطنع وغير العفوي في كل الفقرات المقدمة خلالها، خاصة بما يتعلق بالمرأة التي حولتها إلى سلعة تجارية للاستعراض و”التفاهة” وقابلة للبيع والشراء، مفرغة إياها من المضمون الحقيقي والقيّم.

لا تنفصل أسباب هذه الظاهرة عن الحالة المتأزمة في المجتمع العربي، فليس من المعقول أن يؤدي النمط السياسي الفاعل في بلداننا إلى طريق أخرى بمحتوى ثقافي أو فكري عالٍ نسبيا. مؤكدين على وجود العديد من الظواهر المقابلة التي تسعى إلى النهوض بالثقافة العربية، سواء الفردية منها أو تلك المؤسساتية الحكومية أو حتى الخاصة. ومقارنة بحجم المادة الترفيهية المبعثرة للعقل والوعي العربيين، فلا بد أن جميع المحاولات الجادة والراقية ستواجه نوعا من العجز وعدم الإدراك والتقبل.

وبما أن الهروب هو سمة أساسية للعصر الذي نعيشه، حيث ضغوط العمل والأرق من الحالة المادية، تصبح هذه البرامج المنوعة بمحتواها المسلي مجدية في قدرتها على الابتعاد بالمشاهد عن التفكير اليومي.

ولا ننسى أبدا أن الكثير من السياسات الحكومية في الوطن العربي، ترمي بمواطنيها بعيدا عن عوالم الثقافة والفكر اللذين سيقودان حتما إلى مطالبة أكيدة بالتغيير، وبالتالي ثورة حتمية.

ولعل المفارقة الكبرى تكمن في زيادة عدد هذه البرامج في زمن الثورات العربية، وكأنها تحاول أن تلهي الشعوب عن التفكير المنطقي والسليم، وأن تشرذم المشهد الثقافي والفني العام.

16