برامج تلفزيون الواقع في العالم العربي لا علاقة لها بالواقع

رغم أن برامج تلفزيون الواقع التي أنتجتها وتنتجها الفضائيات العربية وليدة المجتمع وتسقط وتركّب عليه، فهي تمثل فراغا لكبت وإرهاق جماعيين لفئات عديدة من المتقبلين الذين يعبر غالبيتهم عن رفضهم وسخطهم على مثل هذه البرامج لكنهم يتابعونها باهتمام وانتظام ويناقشونها.
السبت 2017/11/25
المشكلة ليست في الإثارة بل في سوء فهمها

تونس – جدل واسع يدور حول فئة معينة من برامج تلفزيون الواقع في تونس التي توصف بأنها تسيء للمجتمع التونسي.

ويسجل برنامج على غرار “عندي ما نقلك” للمقدم علاء الشابي الذي يبث أسبوعيا على قناة تونسية حضوره ضمن قائمة البرامج الخمسة الأكثر مشاهدة في تونس. ويحظى البرنامج بشعبية واسعة في المغرب العربي.

كما يبث برنامج آخر يصنف في الخانة نفسها بعنوان “المسامح كريم” على فضائية خاصة أخرى وهو من تقديم علاء الشابي شقيق عبدالرزاق الشابي.

وأصبحت للبرنامجين مؤخرا نسخة إذاعية تبث على إذاعة خاصة بعنوان “سرك في بير” أثارت لغطا كبيرا بعد ما تردد حول التلاعب بـ”الحكايات” التي ترد ضمنه.

ويحق لكل من هب ودب أن يتصل بالبرنامج ليروي حكايات تبث مباشرة قد تكون من محض مخيلته دون أي تحر أو دقة.

ووفق محللين تقدم هذه البرامج إلى المجتمع التونسي بمظهر “المتفسخ أخلاقيا” الذي انتفت منه كل المبادئ والقيم، إلا في ما ندر من الحلقات.

ويشاهد التونسي ويسمع كل أسبوع حكايات يندى لها الجبين ولا تصدق في معظم الأحيان، لتكون في اليوم التالي حديث فيسبوك.

وتستقطب هذه البرامج فئة معينة من المجتمع توصف بالمهمشة والتي لم تحظ بمستوى ثقافي واجتماعي معين.

حبيب بن بلقاسم: قراء الصحف يبحثون عن الفضائح، وهذا ما دفع إلى نجاح "تلفزيون الواقع"

ويقول سامي نصر المختص في علم الاجتماع التونسي إن الإشكال يكمن في طريقة تناول القضايا الاجتماعية؛ حيث أن تكرار عرض الظواهر الاجتماعية السلبية يمنحها شرعنة والمزيد من الترويج داخل المجتمعات.

ويضيف في تصريحات لـ”العرب”، “هناك نظرية تخص الإعلام الاجتماعي وهي التشبع الإعلامي؛ تقول هذه النظرية إن تكرار عرض الظواهر السلبية يحدث مفعولا عكسيا. وذلك أن لإسرائيلي مثلا دعا إلى نشر مضاعف لصور أطفال فلسطين وتكرارها حتى تصبح حدثا عاديا ليس له أي تأثير على الرأي العام. لذلك فتكرار برامج الواقع لظواهر سلبية بالمجتمع يعد شكلا من أشكال التطبيع، ويدفع إلى تقبل هذه الظواهر السلبية، لذلك يجب أن يتم عرضها لكن مع تقديم حكم ونصائح تفيد المشاهد ولا تكتفي بنقل الواقع كما هو”.

ويؤكد نصر “تحتاج برامج الواقع إلى المزيد من الحذر في كل ما تمرره، ويجب الانتباه إلى ما يقال وإلى ما لا يجب أن يقال، ويجب على الإعلامي أن يحدد رسالته، وهدفه الإعلامي من عرض أي البرنامج أولا”. وتتعاظم مسؤوليات المقدمين عندما نعلم أن المشاهدة التلفزيونية في تونس مثلا تحتل المراتب الأولى في الممارسات أو الاهتمامات الثقافية لعامة التونسيين وخصوصا للأطفال واليافعين الذين تبلغ نسبة مشاهدتهم للتلفزيون أربع ساعات في اليوم، وهي من أضخم نسب المشاهدة في العالم.

وقد أصبحت المجتمعات العربية تعيش على وقع “عصر الصورة التلفزيونية” أو “القنبلة الإعلامية” التي أشار إليها عالم الاجتماع الفرنسي جورج بلاندييه بلفظة “هيمنة وسائل الإعلام ” Mediacratie التي حولت كل شيء في مجتمعات الحداثة الفائضة الوقحة المتعاظم شأنها قابلا للفرجة، وفيها تحالفت القوة التقنية مع القوة الإعلامية لتؤلف مجتمعات أصبحت فيها الصورة التلفزيونية ظاهرة اجتماعية كلية تولد أحاسيس متناقضة تفشل طاقات التفكير الناقد وتروج للإثارة فقط.

ويرجع حبيب بن بلقاسم أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود، توسع دائرة “الإثارة” إلى سببين؛ السبب الأول هو المنافسة الكبيرة جدا بين وسائل الإعلام وخاصة بين الإعلام التقليدي والجديد وبين الفضائيات التلفزيونية العربية في العشرية الأخيرة.

أما السبب الثاني فيتعلق بالإثارة كمفهوم إعلامي مهم في الممارسة الصحافية.

ويقول الأستاذ الجامعي الحاصل على دكتوراه من جامعة السوربون في تصريحات لـ”العرب”، “إن المشكلة ليست في استخدام الإثارة في الممارسة الصحافية بل في سوء فهمها وسوء استخدامها. ويتجلى ذلك، حسب رأيي، في ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: أن تختصر الوسائل الإعلامية كل المعايير والمقاييس والمبادئ الصحافية في ‘الإثارة’ فنجد بعض القنوات العربية تعتمد بشكل كبير على استفزاز المتلقين وإثارتهم ببرامج صادمة.

أما المستوى الثاني فهو الإثارة بمفهومها العام وتعني ‘دغدغة المشاعر ومناشدة العواطف’ ويمكن أن تكون هذه الإثارة إما سلبية وإما إيجابية. والمشكلة التي نواجهها اليوم مع وسائل الإعلام أنها تركز على الإثارة السلبية التي نعني بها الإثارة التي تعتمد على تحريف المعلومات والتركيز على الأحداث التافهة مع المبالغة فيها على أنها مهمة أو كبيرة، وغالبا ما تنقل لنا وسائل الإعلام قصصا عن تصرفات الأفراد والمجموعات الصغيرة من الناس وغالبا ما يكون مضمونها منافيا للأخلاق وغير متصل بالأحداث اليومية للمتلقي ومشاغله الكبرى”.

ويؤكد بن بلقاسم “اختيار حالات برنامج ‘عندي ما نقلك’ لعلاء الشابي هو أفضل دليل على ما أقول: فهل تمثل هذه الحالات ‘المقرفة’ المجتمع التونسي؟”.

أما المستوى الثالث، وفق بن بلقاسم، فهو الإثارة المرتبطة ببرامج أجنبية دخيلة تأتي بقيم غريبة على المجتمعات العربية على غرار المسلسلات المدبلجة وبرامج تلفزيون الواقع.

ورغم الجدل الذي تثيره والانتقادات التي توجه إلى برامج تلفزيون الواقع فإن الإحصاءات أو بالأحرى استطلاعات الرأي تشير إلى أن هذه البرامج تلقى نسب مشاهدة عالية للغاية خاصة بين الشباب والشابات في مختلف الدول العربية.

فقد خرج “تلفزيون الواقع″ من رحم مجتمع ملول، وملهوف على الإثارة والغرابة، يقدّس الحريةَ الفرديةَ المطلقة، ويعاني من كآبات الوحدة.

من الولايات المتحدة انطلق تلفزيون الواقع، وصُدّرت الفكرة إلى بلدان المشرق والمغرب، فتلقفها البعض كما هي، وكأنما نسخة ترجمة من برنامج رديء، فلم ترتب حتى جملها لتناسب لغة القارئ، وحوّرها آخرون ليقدموا منتجا يلائم مجتمعاتهم، ويعزز أهدافهم.

ويقول بن بلقاسم “إن استيراد الفكرة من العالم الغربي إلى العالم العربي كان من أهم الانتقادات التي وجهت لهذه البرامج التي لم تراع الخصوصية التي تميز الوطن العربي. ولعل بعض القنوات لم تجتهد حتى في ترجمة عنوان البرنامج إلى العربية كما برامج مثل ‘ستار أكاديمي, ذي فويس’. وللأسف فإن الفضائيات العربية حاكت فكرة “تلفزيون الواقع″ الأميركية والأوروبية بشكل مستنسخ تماما”.

سامي نصر: تكرار عرض الظواهر السلبية يمنحها شرعنة والمزيد من الترويج

ويقول علي الجابري معد ومقدم البرامج السياسية في تلفزيون أبوظبي “بين مؤيد ورافض مازالت برامج تلفزيون الواقع بنسختها العربية متأرجحة وتتناسل بشكل كبير لا يكبحها أي وازع قيمي أو أخلاقي نتيجة تهافت القنوات الفضائية العربية الخاصة على كسب المزيد من الأموال بعد أن وجدت في تلك البرامج كنزا كبيرا يدر عليها الأرباح من حيث لا تحتسب”.

والمشكلة الكبيرة تكمن في أن العديد من البرامج التي ظهرت في السنوات الماضية لم تراعِ الأعراف والتقاليد العربيةَ والإسلاميةَ التي تختلف جذريا عن تقاليد الغرب وعاداته.

ويطرح هذا الاستنساخ لهذه البرامج في البيئة العربية، وفق بن بلقاسم، تداعيات ظاهرة العولمة على الجوانب الثقافية والإعلامية مما يشكّل تهديدا لقيم الثقافة العربية وخاصة لفئة الشباب العربي، من خلال ترويج هذه البرامج للثقافة الاستهلاكية والفردية والكسب السريع ومهارات الغناء والرقص والمغامرة والتنافس من أجل الثراء والشهرة.

وتشير بعض الدراسات الإعلامية المتعلقة ببرامج تلفزيون الواقع إلى أنه رغم تعدد المجالات التي تشملها هذه النوعية من البرامج فإن نسبة ما يقارب ثلاثة أرباع من برامج تلفزيون الواقع في القنوات العربية تقتصر على الجوانب الترفيهية مثل الغناء والرقص والألعاب وملكات الجمال وتصميم الأزياء والتجميل. بينما نجد أن الموضوعات الثقافية والجادة في برامج الواقع العربية مثل الشعر ومهارات الذكاء والاعتماد على النفس واتخاذ القرار واحترام الحوار وتقييم الذكاء والتشجيع على الخلق والابتكار لا تتجاوز ربع البرامج المقدمة.

من جهة أخرى يطلق البعض من المنتقدين على تلفزيون الواقع أنه يروج “للحلم الجماعي” أو “المخدّر الهادئ” أو”تلفزيون القمامة”.

ويقول بن بلقاسم إن هذه النوعية من البرامج تروج لمبدأ التجسس على الخصوصية. كما أنها غالبا ما تكون قاسية، وتعرض المشاركين للإذلال من أجل تسلية المشاهدين والحفاظ على مستوى إثارة ومشاهدة مرتفع، فأغلب قراء الصحف يبحثون عن الفضائح، وهذه الروح هي ما دفعت إلى نجاح “تلفزيون الواقع″، وللأسف فإن هذه البرامج تفتخر بأنها تقدم لجمهورها “العزيز والوفي” فضائح حية على الهواء.

ويذهب البعض إلى أنّ هذه البرامج تروّج للقيم الإباحية، ونبذ القيم الاجتماعية المتوارثة في المجتمعات العربية، فهي مؤثرات وافدة تسري بالتدريج وتعود بالسلب على القيم العربية.

كما تروّج هذه البرامج للتعصب القطري، حيث ينقسم الجمهور العربي إلى أحزاب وطوائف، ويناصر كلّ فرد منه مرشحا للقطر الذي ينتمي إليه عبر الاتصالات والرسائل القصيرة (أس أم أس)، بصرف النظر عن جدارة المتسابق وأحقّيته في الفوز.

واقع لا تمثله برامج الواقع

من جانب آخر يمكن أن نتحدث عن خداع منظم ومدروس يتعرض له الجمهور عبر هذه البرامج، هدفه إفراغ جيوب المتصلين المتلهفين والمتعلقين بهذه “الموضة” من البرامج، فعن طريق فتح اعتماد خطوط الهاتف في كل دولة والحصول على الأرقام، يتم اقتسام عوائد المكالمات بين فاتح اعتماد الخط وهو القناة، وبين مقدم الخط وهو شركة الاتصالات، وهكذا يتفنن أصحاب هذه الفضائيات في الطريقة التي “ينظفون” بها جيوب الجمهور، الأمر الذي يعود على هذه القنوات بالربح الوفير، وخاصة إذا علمنا أن الإحصاءات تؤكد وجود عشرات الملايين من المتصلين بهذا النوع من البرامج عبر الوطن العربي.

بعض المختصين في مجال الإعلام والاتصال، يذهبون إلى ما أشرت إليه بأن نجاح هذه البرامج بين الشباب يمثّل تعبيرا عن واقع مأزوم للشباب العربي، وعن انعدام ثقة الشاب بنفسه وبمستقبله ولجوئه إلى وسائل للتعويض النفسي عن حالة من الفراغ والكبت، ليس فقط الجنسي، بل المعنوي أيضا. فقد ازداد إقبال الشباب العربي على هذه البرامج ذات الأفكار المستوردة لفقدانه الأمل في تغييرات حقيقية في حياته العامة أو لفقدان الحوار داخل الأسرة أو احتقانه، وتقلّص علاقاته مع الأهل والأصدقاء.

ويعتقد الكثير من الشباب العربي بأن احتراف الغناء والرقص والرياضة وعروض الأزياء هو الطريق السري لاكتساب الشهرة والثروة والجاه وتحقيق النجومية المطلقة.

وما يدعو إلى الأسف كذلك أن نلاحظ أن معظم شبابنا عاجزون عن تأمين متطلبات الزواج أو بناء الأسرة، أو تأمين المستقبل المهني والمادي الملائم، الأمر الذي يدفع بهم إلى التعلق بهذا النوع من البرامج التي تحقق الآمال والشهرة والمال، وربما تشبع بعض الميول الجنسية المبكوتة أيضا، بكل سهولة.

ويؤكد بن بلقاسم أن تلفزيون الواقع ليست له علاقة تذكر مع الواقع، باستثناء أن القائمين عليه يريدون للناس أن تعتقد هذا. وأن هذه البرامج ليست بلا “سيناريو” كما يعتقد أغلب الناس، فلكل حلقة من هذه البرامج أوراق تحتوي على تفاصيلها حتى المداعبات والنكات والتعليقات، وتكتب سلفا بشكل غير تقليدي.

13