برامج فئوية تحول الإعلام المصري إلى حلبة صراع بين الرجل والمرأة

مذيعة برنامج "أنت الرجل" لـ"العرب": لا أستهدف معاداة المرأة إعلاميا وأدعم تقييم أدوارها.
الجمعة 2020/10/16
السطحية.. وصفة مضمونة لجذب الجمهور

وجدت البرامج الفئوية مساحة واسعة للانتشار ضمن الخارطة البرامجية لفضائيات مصرية، وأصبح تقديم المحتويات المدافعة عن حقوق المرأة جزءا أساسيا من خطط تطوير الإعلام على مدار سنوات ماضية، وهو ما قابلته فضائية “المحور” مؤخرا بإنتاج برنامج “أنت الراجل”، ليتفرد بالدفاع عن حقوق الرجل.

القاهرة - يقدم برنامج “أنت الرجل” الذي تقدمه المذيعة راندا فكري على فضائية “المحور” وجهة نظر قد تغيب عن البرامج والفقرات المخصصة لمناقشة قضايا المرأة، ويستعين بفيديوهات تبثها فتيات اعتدن توجيه نصائح لزميلاتهن بكيفية التعامل مع الرجل، وضمان الحصول على حقوقهن، وتفند مقدمته تلك الرسائل من خلال استعراض واجبات المرأة تجاه الطرف الآخر، وتلعب دور المدافع عن الرجل دائما.

جاء اسم برنامج “أنت الرجل” من منظور يستهدف تذكير الرجل بقوته باعتباره قائدا للأسرة، وهو نفس المنطلق الذي يطغى على برامج نسوية مثل “هي وبس” وتقدمه رضوى الشربيني، وينطلق أيضا من مفهوم أن المرأة هي أساس كل شيء.

قالت مقدمة برنامج “أنت الرجل”، راندا فكري، إنها لا تستهدف الدخول في صراع مع السيدات، لكنها تقدم الوجه الآخر الذي يغيب عن كثير من البرامج، وتترك الفرصة للرجال من أجل التعبير عن وجهة نظرهم، لأن هناك اتجاها إعلاميا سائدا يكيل الاتهامات جزافا لرب الأسرة ويبرئ المرأة من الأخطاء التي تقع فيها.

وأضافت في حديثها لـ”العرب”، أن الرسالة الأساسية التي يقدمها البرنامج ترتبط بإعادة تقييم أدوار المرأة داخل الأسرة، والتأكيد على أن هناك حقوقا وحريات تتمتع بها، بحاجة إلى توظيفها بشكل سليم للحفاظ على تماسك المجتمع، ولا يتعارض دورها في العمل مع مهمتها كزوجة، فعليها واجبات لا بد أن تحرص على أدائها.

واصطدمت الرسالة التي قدمتها المذيعة المصرية بردود أفعال صاخبة من قبل السيدات اللاتي اعتبرن أنها تستهدف بخس حقوقهن.

في المقابل لاقت ردودا مؤيدة على منصات التواصل الاجتماعي من قبل رجال وجدوا فيها صوتا يدافع عنهم وتحولت صفحتها على فيسبوك إلى منصة للاتهامات المتبادلة.

وأشارت إلى أن حالة الاستقطاب الإعلامي بين الرجل والمرأة من نتائجها الردود النابية التي تعرضت لها على صفحتها، لكنها تحرص دائما على الرد على جميع الرسائل في محاولة منها للوصول إلى نقاط التقاء، بعيدا عن الحالة العدائية الموجودة، وتمكنت من فتح حوارات شخصية مع بعض الفتيات عبر تعليقات ورسائل خاصة لاستيعاب آرائهن ومحاولة تصويب المفاهيم لديهن.

يواجه برنامج “أنت الرجل”، اتهامات عديدة لكونه يتعامل مع قضايا حساسة مثل خيانة الرجل وقوانين الحضانة والرؤية من منظور سطحي، ما تفرضه طبيعة البرنامج الذي من الممكن تصنيفه ضمن البرامج الخفيفة أو المنوعات، ما يفرز معارك كلامية عبر مواقع التواصل دون أن تتحول إلى مناقشات تقرب بين وجهات النظر.

وردت راندا فكري على تلك الاتهامات لـ”العرب” قائلة “لا أشجع الرجل باعتباره ذكرا، لكن أدعم إعلاميا الشخص المسؤول الذي يحاول أن يحافظ على أسرته، ولا أستهدف ترجيح كفة طرف على آخر، وأنتقد التصرفات غير الأخلاقية للرجل، وناقش البرنامج في مرات عديدة كيفية اختيار الرجل للزوجة كأم لأبنائه، وأسعى للعودة إلى التقاليد الأسرية التي حافظت على تماسك المجتمع”.

وأضافت أن هناك موسما ثانيا يجري الإعداد له من الآن لتطوير البرنامج حتى تكون الردود علمية بشكل أكبر عبر استضافة متخصصين وإفساح المجال أمام المكالمات الهاتفية وسيكون مذاعا على الهواء وليس مسجلا، لإثراء النقاشات ودعم تقديم وجبة إعلامية دسمة تغوص في التغيرات التي طرأت على المجتمع مؤخرا.

وتعتقد المذيعة التي درست علم النفس أن تركيز البرامج الفئوية ينبغي أن يكون على المراهقين، ما يدعم استعادة تماسك الأسرة مستقبلا بعد أن طغت المادة على المحتويات الإعلامية المقدمة في الدراما أو عبر البرامج المدافعة عن المرأة، مشيرة إلى أن برنامجها أعطى إشارة خضراء لإطلاق برامج تبرز وجهة النظر الأخرى وتستهدف التوازن.

وحظيت برامج دعم المرأة بنسب مشاهدة مرتفعة، وأثارت جدلا واسعا بعد أن تطرقت إلى مشكلات اعتاد الإعلام السكوت عنها، وتماشت مع أوضاع اجتماعية مشوهة، بما أسهم بشكل غير مباشر في زيادة معدلات الطلاق.

في ظل تخفيف جرعة البرامج السياسية وعدم قدرة برامج المنوعات على جذب فئات مختلفة من الجمهور، وجد بعض المسؤولين في البرامج الفئوية التي تتطرق إلى مشكلات اجتماعية حلا مناسبا لضمان جذب الجمهور، غير أنها لاقت انتقادات من خبراء إعلام اعتبروها تدس السم في العسل وتعد سببا في زيادة المشكلات وليس حلها.

ذاع صيت برامج “صبايا الخير” على فضائية النهار، و”هي وبس” على فضائية “سي.بي.سي سفرة”، و”الستات ما بيعرفوش يكدبوا (لا يُجِدن الكذب)”، على فضائية “سي.بي.سي”، و”نفسنة” على “القاهرة والناس”، و”دودو شو” على فضائية النهار، وغيرها من البرامج التي دافعت بضراوة عن القضايا النسوية، وتعرضت غالبيتها لعقوبات بالإيقاف من قبل مجلس الأعلى للإعلام لتجاوزها المعايير المهنية.

برامج دعم المرأة تحظى بنسب مشاهدة مرتفعة، وأثارت جدلا واسعا بعد أن تطرقت إلى مشكلات اعتاد الإعلام السكوت عنها
برامج دعم المرأة تحظى بنسب مشاهدة مرتفعة، وأثارت جدلا واسعا بعد أن تطرقت إلى مشكلات اعتاد الإعلام السكوت عنها

استمرت هذه البرامج في تقديم وصفة مضمونة لجذب الجمهور، وفتحت المجال أمام الفضفضة وتفريغ الطاقات الكامنة داخل المجتمع مع بقاء دوائر محدودة للتعبير بحرية عما يدور بداخلها، وتقديم حلول غير معتادة بخلاف تلك التي تصدر عن رجال الدين أو من مؤسسات رسمية، وتنحرف في أحيان لتقديم آراء شاذة تتماشى مع هوى المشاهدين، ما يحولها إلى حلبة صراع بين الرجل والمرأة.

حسب رأي خبراء الإعلام، إن انزواء البرامج التي تستهدف مناقشة قضايا المجتمع بحياد تفتح الطريق أمام ظهور المزيد من المحتويات الإعلامية التي تنحاز إلى طرف دون آخر، وأن الإعلام ليس بحاجة حاليا إلى هذا النوع من البرامج التي تكون لديه نتائج سلبية، وإن تمكنت من جذب الجمهور نسبيا، والتعويل يكون على انفتاح الإعلام على مختلف القضايا بشكل متواز.

ويقول هؤلاء، إن الفضائيات المصرية تستفيض في مناقشة علاقة الرجل بالمرأة دون أن تضع الأطر العامة التي تحافظ على تماسك المجتمع، وفي كثير من الأحيان يكون الاعتماد على أشخاص غير متخصصين لتقديم رسائل النصح بما يجعل الرسالة الإعلامية مشوشة، وليس لديها الأساس العلمي المتين، وتطغى الرغبة في التمدد والانتشار على الأهداف الإعلامية الأخرى. ويضيفون، أن مقدمات برامج المرأة يتشاجرن لإثبات حقوقهن من دون دراسة الأبعاد السلبية على تقديم رسائل متشنجة لا تعالج أزمات الواقع، وتتصدر الأبعاد القانونية على الإنسانية في غالبية النقاشات الإعلامية.

وللتأكيد على أن الإعلام يلعب دورا مؤثرا في طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة بعد الانفصال، يتلقى الطرفان رسائل من جهات عديدة تفاقم من المشكلات، في ظل تباعد إنساني ومكاني يدفع باتجاه اقتناع كل جانب بما يوجهه الإعلام من إشارات.

18