برانتا والنبي

الحكاية الفرعونية لا تحتاج إلا إلى لمسة جديدة ليعود الحديث عن الفضائيين وعلاقة الهيكسوس بالحضارات المجرّية التي قدمت إلينا وبنت الأهرامات.
الجمعة 2021/02/26
الاستمرار عبر التاريخ مرهونٌ فقط بالقدرة على التأثير

على قبر الأمير المصري نفر ماعت ابن الملك سنفرو الذي كان وزيرا وحامل ختم، ونبيا أيضا أرسلته للناس الإلهةُ القطّة “باستيت”، نُقشت قبل 4600 سنة، ستُّ إوزّات ضخمة، تنشغل بها اليوم مجلة “ساينس أليرت” العلمية ومعها علماء وباحثون يعكفون على ذلك السؤال: أين ذهب الطائر الذي يشبه البرانتا روفيكوليس؟

والحكاية الفرعونية لا تحتاج إلا إلى لمسة جديدة ليعود الحديث عن الفضائيين وعلاقة الهيكسوس بالحضارات المجرّية التي قدمت إلينا وبنت الأهرامات. لكن هذه الإوزة المسكينة، تم إخراجها من قصة الفضاء، وحدها، وزعم العلماء أنها انقرضت قبل أربعة آلاف عام.

على ذلك، أتخيّلُ صورة من الصور الملتقطة في أيامنا هذه، يدرسها علماء المستقبل بعد أربعة آلاف عام قادمة، ترى من سيكون من بين عناصرها مرشّحا لاحتلال موقع البرانتا روفيكوليس؟ أيٌّ منا لن يكون هناك؟

الاستمرار عبر التاريخ مرهونٌ فقط بالقدرة على التأثير، ومن لا يؤثر يخرج من اللعبة، ومن أراد الخلود فلا مجال أمامه سوى العمل. هي رسالة إذًا من ذلك النبي الفرعوني، يبعث بها من ظلام الماضي عبر آلاف السنين، من خلال رمزية الإوزة المنقرضة. وبما أننا في عالم الصورة واللقطات، وبينما يدقّق العلم في هذا الزمان على كل صغيرة وكبيرة، ننشغل نحن بالترّهات، وقد يكفّرني أحدُهم الآن لأني قلتُ إن “نفر ماعت” كان نبيا، وفي الوقت ذاته، يُمجّد ممثلين أدّوا أدوار شخصيات مقدّسة، وليته يعلم ما الذي كان يحدث حين كان واحدهم يدخل تلك التجربة.

قبل سنوات اشتكى لي، همسا، أحد الأصدقاء من نجوم الدراما العرب، من أنه يعيش أزمة أخلاقية، فهو شيعيٌ وشخصية صلاح الدين صعبة جدا عليه، لأنها سنيّة، وهو يشعر أنه يجب أن يغيّر في مسار الأحداث كي يتمكّن من أداء الدور، طلب هذا من المخرج، فوافق وغيّر الاثنان التاريخ من أجل مشاعر الفنان الطائفية.

وبعد فترة همس فنانٌ آخر إنه لا يجد نفسه منسجما مع تقمّص شخصية القائد العربي خالد بن الوليد، فهو مسيحي، ويحسّ بعدم الارتياح للفتوحات العربية الإسلامية، فتوصّل إلى حلّ، وهو أن يلعب الدور وكأنه يقدّم شخصية شريرة لا إيجابية، مثلما كان يفعل محمود المليجي وأبطال أدوار الشرّ.

 بالمقابل كان الثالث يؤدي شخصية الحسين وهو يكزّ على أسنانه غيظا. أما شخصية يزيد بن معاوية فكان يمكنك أن ترى اللعنات وهي تتطاير من فم الممثل الذي أدّاها لأنه يختلف عنها طائفيا. يا للروعة!

لا تسلْ لماذا لا يكترث بنا أحد. الجواب عندك. وهو بين برانتا والنبي. وذكر الله بالخير الفنانة القديرة عفاف راضي صاحبة الأغنية الشهيرة “الحِلو والنّبي.. تَبَسّمْ للنبي”.

24