برايان شيسكي رجل خارق لا يثق السياح إلا بتطبيقه الذكي

تطبيق تحوّل من مجرد توفير "مرتبة هوائية" ووجبة إفطار إلى مجال أوسع يتضمن تأجير كافة أنواع العقارات وموقع صديق للناس حول العالم.
السبت 2020/05/30
صاحب المشروع الذي يهدد الفنادق بعد كورونا

مع اقتراب عودة الفعاليات السياحية إلى مدن العالم وشواطئها وأريافها، يعتقد البعض أن مالكي المنشآت السياحية يشعرون بتحسن قليل بعد فترة الكساد التي تسبب فيها انتشار فايروس كورونا. لكن هناك شخصا واحدا يشغل تفكير هؤلاء، أكثر من الوباء. إنه برايان شيسكي مؤسس تطبيق “آر.بي.أن.بي”.

قليلة هي المشاريع التجارية التي تعم بالفائدة على كل الأطراف المشاركة فيها، من مالك ومستهلك، ومنتفعين، غير أن تطبيقا بسيطا على الهواتف الذكية، كان ولا يزال ذا فائدة كبيرة وربح مادي وفير للكثير من المشتركين فيه، وفي الوقت ذاته شكل خطرا جديا يحيق بالفنادق بمختلف نجومها، بل يمكن القول إنه الكابوس المستمر للمستثمرين في مجال السياحة.

يسهل هذا التطبيق على المسافر الإقامة، ويعطيه خيارات مفتوحة ومتنوعة. لكنها لا تخرج عن مفهوم الشقق السكنية. وهو لا يقدم خدماته للفنادق، ما جعله مختلفا وجديدا عما سبقه من المواقع والتطبيقات المختصة بالحجز الفندقي والشقق، مثل الموقع الشهير “بوكيينغ” الذي يقدم خيارات مختلفة بين الفنادق والشقق.

مشاريع ذكية

“آر.بي.أن.بي” يصب جلّ اهتمامه على الطرفين المؤجر والمستأجر، ويقدم لهما طرقا مختلفة للربح وللتوفير المادي على حد سواء، مع كامل الحرية بالمضاربة في السوق التنافسية. أما شيسكي مهندسه ومبتكره فهو شاب أميركي من أصول إيطالية بولندية، ولد في بلدة نيسكايونا بمدينة نيويورك عام 1981. ابن لعائلة صغيرة متوسطة الدخل، ووالداه اللذان كانا يعملان أخصائيين اجتماعيين، لم يرعيا ابنهما برايان كثيرا بسبب انشغالهما بساعات العمل الطويلة، لكنهما انتبها إلى موهبته في الرسم، وحاولا قدر المستطاع تنميتها من خلال تزويده بكل ما يلزمه من ألوان وأوراق لتشجيعه والجلوس أمامه لساعات بينما كان يقوم هو برسمهما، أما ما كان يحبه في فن الرسم هو تقليد الأشياء من لوحات وتصاميم وألعاب وأشخاص فحسب.

موهبة شيسكي حتمت عليه بموافقة الأهل الالتحاق بكلية رود آيلاند للتصميم، فحصل منها بامتياز على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة، ومنها تخصص أكثر في عالم التصميم، وعمل في السوق التجارية الإعلانية مع الكثير من الشركات لتقديم تصاميم تسويقية للمنتجات المختلفة. لكن سرعان ما جذبته التجارة وسرقته من مهنته الأصلية ودخل عالم ريادة الأعمال، وكانت بذور ذلك منذ كان في الدراسة الجامعية عندما أدار مع أصدقائه فريقا لرياضة الهوكي وأنشأ له علامة تجارية، متخذا طريقا لم تكن موجودة من قبل وهي الرعاية التجارية والمالية، فاستطاع برفقة أصحابه أن يجعل الفريق يعتمد على نفسه ماديا ويحقق أرباحا للاعبين والطاقم التدريبي أيضا.

"آر.بي.أن.بي" الذي تزيد قيمته اليوم عن 31 مليار دولار، أصبح من أهم الشركات العملاقة في وادي السيليكون. لكنه نجاح يقول عنه شيسكي إنه كان صعبا جدا، ويضيف "واجهنا رفضا مُهينا من مستثمرين، وتجاهلا أكثر إهانة من آخرين"
"آر.بي.أن.بي" الذي تزيد قيمته اليوم عن 31 مليار دولار، أصبح من أهم الشركات العملاقة في وادي السيليكون. لكنه نجاح يقول عنه شيسكي إنه كان صعبا جدا، ويضيف "واجهنا رفضا مُهينا من مستثمرين، وتجاهلا أكثر إهانة من آخرين"

أغلب المشاريع الذكية في التكنولوجيا تقوم على شراكة شبابية، وخصوصا تلك التي تنشأ أيام الجامعة. هناك تنمو الأحلام وتناقش الأفكار بطموح الشباب الذي لم يصطدم كثيرا باليأس المجتمعي والمهني.

كوّن شيسكي علاقة صداقة وزمالة مع كل من جو جيبيا وناثان بليشارتزيك اللذين يعتبران حتى الآن شركاء مؤسسين في “آر.بي.أن.بي”، كان في رؤوس الشباب الثلاثة الكثير من أفكار المشاريع، يبحثون عمّا هو جديد وله حاجة ماسة في المجتمع الأميركي، إلا أن الصدفة وضعتهم في حاجة إلى شيء لم يكن موجودا، والقصة بدأت عندما توجه كل من تشيسكي وجيبيا في أواخر العام 2007 للمشاركة في مؤتمر التصميم الدولي الذي عُقد في مدينة سان فرانسيسكو في تلك الفترة، وهناك اصطدم الصديقان بأن الإيجارات شديدة الغلاء، وأسعارها وصلت إلى معدلات جنونية. المأزق حقق المقولة الشهيرة “الحاجة أم الاختراع”، حينها قرر شيسكي أن يحوّل مسكنه إلى مكان يستقبل فيه المصممين الشباب مقابل مبلغ معقول من المال، ورأى أن ما يتطلبه الأمر هو فقط أن يقوم بوضع “مرتبة” إضافية في مسكنه الصغير، لتوفر مبيتا جيدا للوافد، ويقدم وجبة إفطار صباحية له، وإنترنت متاحا طوال الوقت.

من تلك الحاجة الملحة لإيجاد مسكن مؤقت بدأت لدى شيسكي فكرة التطبيق الشهير الذي تزيد قيمته اليوم عن 31 مليار دولار، وقد أصبح من أهم الشركات العملاقة في وادي السيليكون “آر.بي.أن.بي”، ولكن من يظن أن الأمر كان بهذه السهولة مخطئ، فالمعاناة كانت كبيرة، فقد وصل الأمر بين الشركاء الثلاثة إلى الإحباط مرات عديدة. يقول برايان في إحدى التصريحات الصحافية لوكالة رويترز “كانت الأمور تتخذ مجرى مأساويا، وضعنا عدة تطويرات لتصميم الموقع وتشغيله بلا جدوى، وواجهنا رفضا مُهينا من مستثمرين، وتجاهلا أكثر إهانة من آخرين”.

سر المرتبة الهوائية

فور انتهائه من حضور المؤتمر، بدأ بإنشاء موقع إلكتروني باسم “مرتبة هوائية ووجبة إفطار”، وأعلن فيه عن إمكانية تأجير مكان للمنامة في المنزل الذي يعيش فيه، وقام بالفعل بشراء ثلاثة مراتب هوائية جديدة، كما عرض تقديم خدمة المرشد السياحي لأي من المستأجرين القادمين إلى مدينته بمقابل مالي.

الانتظار طال قليلا حتى ظهر أول ثلاثة زبائن قاموا بالحجز عن طريق الموقع، وهنا كانت الفرحة كبيرة للشريكين، تشيسكي وجيبيا، حيث كانت تلك المرة الأولى التي يكسبان فيها أموالا حقيقية مقابل خدمتهما المبتكرة، والمبلغ كان بالتحديد 80 دولارا، مما جعلهما يمضيان بمشروعهما البسيط ويحولانه إلى نجاح كبير يفوق التصور. كانا بحاجة إلى مساعدة صديقهما بليشارزيك الذي أصبح الشريك الثالث، والذي كان صاحب خبرة في عمل الشركات. نصحهما أن يدخلا سوق العمل في إحدى الشركات التي تقدّم خدمة الاستضافة المنزلية لمدة 4 أشهر كموظفين عاديين، وهناك تعلما أشياء كثيرة كانت غائبة عنهما ودرسا مبادئ هذه الصناعة، إن صحّ التعبير.

قوبل مشروع “آر.بي.أن.بي” بالرفض من كل المستثمرين الذين ذهب إليهم شيسكي ورفيقاه. لم يقتنع أحد بمضمون منصة رقمية تقدم للزبائن فرصة الحصول على “مرتبة هوائية” للمبيت في مكان جماعي مقابل أجر مادي محدود. كل ذلك شكل إحباطا لشيسكي وشريكيه، لكنهم رفضوا أن يصلوا إلى مرحلة اليأس، فقرروا الذهاب إلى التمويل الذاتي، واتجهوا إلى “دينفر” عاصمة ولاية كولورادو، وكان الحدث الذي يستهدفونه هذه المرة هو المؤتمر الترويجي لحشد مؤيّدي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في المدينة. قام الرفاق الثلاثة بتجارة غريبة، وهي تحويل علب حبوب الإفطار التي تُباع في الأسواق إلى علب تحمل صورتين، الأولى صورة للمرشح الديمقراطي أوباما، والثانية صورة للمرشح الجمهوري المنافس له جون ماكين، وقاموا ببيع العلبة الواحدة بـ40 دولارا، وخلال شهرين كانوا قد باعوا أكثر من 800 علبة، أي إنهم حصلوا على مبلغ يزيد على 30 ألف دولار، استخدموه في دعم شركتهم “آر.بي.أن.بي”.

مبادئ ريادية

روح شيسكي الشبابية والملتصقة بالواقع، جعلته ينزل إلى الشارع وحيدا لاستطلاع آراء الناس، حول ماهية تفكيرهم بمشاريع الحجز الفندقي والشقق أيضا، للبحث عن الحاجة الحقيقية التي لم تلبّها كل المواقع والشركات المهيمنة على السوق

كل ذلك لم يكفِ لأن شيسكي بقي بحاجة إلى مستثمر يدفع بمشروعه إلى السوق الحقيقية، وهنا لعب الحظ دوره تماما، وجاء من السماء مستثمر شهير ناجح في “وادي السيليكون”، معروف بمغامراته الاستثمارية في المشاريع الشبابية، هو بول غراهام الذي أبدى إعجابه بفكرة وموقع شيسكي ورفاقه، فعرض عليهم إدخالهم في برنامج تدريبي تقدمه شركته “واي كومبيناتور” للمشروعات الناشئة، بهدف تعليمهم أهم المبادئ الريادية في إدارة وتطوير الشركات بشكل نظامي ممنهج، وفي نهاية التدريب يمنحهم مبلغ 20 ألف دولار مقابل نسبة قليلة من ملكية المشروع، وافق الثلاثي بالطبع على هذا العرض الرائع وانضموا إلى البرنامج الشتوي التدريبي في بداية العام 2009، لكنهم أثناء التدريب واظبوا، سرا، على محاولاتهم الذهاب إلى مستثمرين آخرين لعرض مشروعهم عليهم، إلا أنهم تلقوا الرفض ممن قابلوهم طوال تلك المدة.

روح شيسكي الشبابية والملتصقة بالواقع، جعلته ينزل إلى الشارع وحيدا واستطلاع آراء الناس، حول ماهية تفكيرهم بمشاريع الحجز الفندقي والشقق أيضا، للبحث عن الحاجة الحقيقية التي لم تلبّها كل المواقع والشركات المهيمنة على السوق في ذلك الحين، أخذ أفكارا بسيطة من أشخاص عاديين لهم متطلبات تتعلق بالتوفير، سمع شكاواهم ومقترحاتهم، وسجلها وعمل على تطويرها والاستجابة إليها، وهذا ما حدث في الخدمات التي نراها حاليا مقدمة من “آر.بي.أن.بي”، التطبيق والموقع الصديق للناس حول العالم، وهذا سبب تغيير مفهوم المشروع من مجرد توفير “مرتبة هوائية” ووجبة إفطار إلى مجال أوسع يتضمن تأجير كافة أنواع العقارات مع تقديم خدمات مختلفة تلبي متطلبات الزبون.

بدأ المشروع الشبابي في شهر مارس من عام 2009 باستقبال آلاف من الأشخاص الراغبين في تأجير العقارات من شقق كبيرة وصغيرة وغرف أيضا، وهو ما جعل الشركاء المؤسسين يتجاوزون مرحلة الخطر التي عاشوها لأشهر عديدة. وفي نفس العام تلقى شيسكي أول تمويل كبير وحقيقي جعل مشروعه ثابتا لا يتزحزح عن التقدم والتطور، التمويل الذي بلغ 600 ألف دولار دفعه هو ورفاقه إلى ألّا يتطلعوا إلّا إلى المستقبل، وأن يعملوا ليلا نهارا غير آبهين بأي خسارة من الممكن أن يتعرض لها مشروعهم، حيث أصبح لديهم مخزون مادي يدعمهم لسنوات مقبلة، التمويل جاء من “سيكويا كابتال” الشركة الرأسمالية الأميركية الرائدة في صناعة التكنولوجيا، والمعروفة بدعم الشركات الناشئة والناجحة.

استثمارات ضخمة

شيسكي واحد من بين من اختارتهم إدارة أوباما ليكونوا سفراء للرئاسة في ريادة الأعمال العالمية، كما تمّ إدراجه على قائمة مجلة فوربس ضمن مئة شخصية أكثر تأثيرا في العالم.
شيسكي واحد من بين من اختارتهم إدارة أوباما ليكونوا سفراء للرئاسة في ريادة الأعمال العالمية، كما تمّ إدراجه على قائمة مجلة فوربس ضمن مئة شخصية أكثر تأثيرا في العالم.

عمل تشيسكي على الاستحواذ على عدة شركات ناشئة عالمية في بريطانيا وألمانيا وكندا وأميركا، مما زاد من توسيع شركته “آر.بي.أن.بي” في مدن العالم كافة، وفي الوقت نفسه استمر الشاب الأميركي باستقبال التمويلات والاستثمارات الضخمة، وصلت إلى حد استثمار “غوغل كابيتال” بمبلغ ضخم قيمته 555 مليونا، ليتجاوز عدد مستخدمي تطبيقه 60 مليون مستخدم من 34 ألف مدينة في190 دولة حول العالم.

اختارت إدارة أوباما شيسكي سفيرا للرئاسة في ريادة الأعمال العالمية، كما تم إدراجه على قائمة مجلة فوربس ضمن مئة شخصية أكثر تأثيرا في العالم، وفي سنه الأربعين صنفته مجلة التايم الأميركية كسفير فوق العادة لريادة الأعمال، وانضم إلى رجال الأعمال بيل غيتس وأرين بافيت في مبادرتهم الشهيرة التي تضم أيضا مجموعة كبيرة من أثرياء العالم، وتنصّ على أن يتبرعوا بأغلب ثرواتهم لصالح الأعمال الخيرية، متعهدا هو وشريكاه بالتبرع بأكثر من 50 في المئة من ثرواتهم أثناء حياتهم، وبعد مماتهم أيضا. هذا الرجل وتطبيقه هو الرجل الخارق الوحيد في زمن كورونا السياحي المعقد، فالكثير من السياح لم يعد يثق بالنزول في غرفة بفندق، بينما يمكنه التأكد بنفسه من تعقيم البيت الذي يستأجره عبر “آر.بي.أن.بي” دون قلق.

12