برجوازية عسكرية تنافس البرجوازية التقليدية في أسواق إيران

الأربعاء 2017/04/26
ما تبقى من سنوات المجد

طهران- بقيت بازارات إيران (أو أسواقها العتيقة) موجودة لقرون من الزمن وهي تعتبر مركز الصناعات والحرف والثقافة والدين والسياسة في البلاد. ويعتبر بازار طهران الكبير القلب التجاري النابض للعاصمة الإيرانية، وهو أثر تاريخي يعود بناؤه إلى أربعة قرون ماضية. وكان ولا يزال المركز التجاري الرئيسي في طهران، حيث يمكن شراء أي شيء من السجاد القديم إلى الهواتف الحديثة.

يحتل البازار الكبير في طهران رأس القائمة للأماكن التي يتوجب زيارتها في إيران. سيأخذ الزائر في متاهة من الممرات على طول عشرة كيلومترات تعرض فيها الآلاف من السلع والمواد من أغذية ومجوهرات وتحف قديمة وأثاث. المكان برمته متعة لعيني الزائر حيث تعرض أمامه المئات من الأنسجة والزرابي الفارسية والبهارات والفنون والحرف اليدوية والآثار القديمة في صف طويل في أكشاك ومخازن منتظرة الإيرانيين أو السياح ليشتروها.

ولا يختلف البازار في إيران عن الأسواق الكبرى في بعض الدول العربية والإسلامية، حيث يتشابه معها في المعمار أيضا وفي متاهات أسواقها ودهاليزها وزحامها، وأيضا في أدوارها الثقافية والسياسية، لكن ما يميز بازار إيران أنه لا يزال محافظا، إلى اليوم، على تأثيره السياسي والديني في البلاد.

ويقول إصفنديار باتمانقليج الباحث في الشأن الإيراني في تقرير نشره موقع لو بلوغ “عندما نتذكر كلمة البازار عادة ما تقفز إلى أذهاننا صورة أسواق العصور الوسطى وعصور ما قبل الحداثة، التي تحتوي على ممرات مظلمة ومتعرجة ومليئة بالسجاد أو بالبضائع الغريبة الأخرى، لكن البازار كان في الحقيقة قلب وجوهر الاقتصاد الإيراني حتى نهاية القرن الـ20، وهذا السوق كان ربما أكثر أهمية من مصافي النفط في البلاد“.

ويضيف باتمانقليج موضحا “بعيدا عن الشأن التجاري، كان البازار أيضا يضطلع بدور تمويلي في غاية الأهمية؛ ففي أواخر الستينات كانت البازارات في إيران تُقرض السوق الإيرانية ذات مقدار الأموال التي أقرضتها جميع البنوك التجارية مجتمعة، وحتى بعد عقد من الزمن، وإثر توسع البنوك الحديثة، ظل البازار في منتصف السبعينات يسيطر على 20 بالمئة من حجم التعامل بالسوق الرسمي، حيث كانت تجرى فيه معاملات تُقدر بمبلغ 3 مليارات بعملات النقد الأجنبي، وكان دائنا بمبلغ 2.1 مليار على شكل قروض غير مسددة”.

ويعد تجار البازار طبقة اجتماعية مستقلة بذاتها. وتسعى هذه الطبقة المؤثرة لترسيخ وجودها من خلال الدعم الهائل الذي تقدّمه للسلطة، لكنها أيضا وفي نفس الوقت تلعب أدوارا في دعم المجتمع المدني من خلال تمويلها للتحركات الجماهيرية. ولعب البازاريون دورا هاما في دعم ثورة الخميني.

دعم البازار الثورة الخمينية بشكل كبير كردّ على احتقار شاه إيران للبازار وتجاره الذين كان يعتبرهم بقايا من العهد الماضي. ويقول إصفنديار باتمانقليج إن الشاه سخر منهم ومن “محلاتهم التي تعيث فيها الديدان”، كما ساءته هيمنة البازار على قطاع تجارة التجزئة وقطاع الخدمات المصرفية والتمويلية، لذا سعى الشاه لطي صفحة البازار، وقتله عن طريق فرض الحداثة من خلال بناء مراكز التسوق الحديثة.

الإيرانيون يخشون أن يؤدي الوضع الصعب الذي يمر به أغلب تجار البازار في النهاية إلى العودة إلى ما بدأه الشاه وأن تلغي مراكز التسوق الكبرى دورهم

شعر البازاريون بالتهديد الذي يحيق بهم جرّاء مسار التخطيط الاقتصادي الذي ينفذه الشاه، ومن خلال تعاملهم داخل مؤسستهم الاقتصادية “البازار” مع الطبقات الدنيا والعليا في المجتمع الإيراني، استطاع البازار استيعاب وفهم التفاوت الطبقي والاجتماعي.

قدم البازار دعما واسعا للثورة، لكن بعد أن نجحت الثورة في ترسيخ قواعدها، وعندما بدأ المرشد الأعلى في توطيد سلطته عجّل بتحييد البازار. لكنه قام بمكافأة أعضاء تحالف الجمعية الإسلامية، وهم شريحة صغيرة من البازاريين الذين مولوا ونظموا العديد من المسيرات، عن طريق دمجهم بالنخبة الحاكمة.

ومن خلال خلق علاقات الولاء بين البازار والحكومة، سعى الخميني ومن بعده علي خامنئي، للقضاء على البازار باعتباره منبرا مستقلا للمعارضة السياسية، وبذلك لم يعد البازار مؤسسة من مؤسسات القطاع الخاص. وفي الواقع وحتى اليوم، ينعت البازاريون الذين يتمتعون بعلاقات مع المؤسسة السياسية باسم “دولتي” أي الذين لهم علاقة بالدولة، وفق إصفنديار باتمانقليج.

اليوم، انحصر الدور السياسي للبازار في يد أقلية من كبار التجار من أصحاب العمائم، فيما لا يشغل صغار التجار سوى مقاومة الوضع الاقتصادي المتدهور بعد أن تبين لهم أنهم غير معنيين بقطف ثمار الاتفاق النووي، وأن وضعهم لن يتحسن كما كانوا يأملون.

ويخشى الإيرانيون أن يؤدي الوضع الصعب الذي يمر به أغلب تجار البازار في النهاية إلى العودة إلى ما بدأه الشاه وأن تلغي مراكز التسوق الكبرى دورهم، هذا بالإضافة إلى المنافسة التي تشكلها الشركات التابعة لقوات الحرس الثوري الذين خلقوا طبقة جديدة من التجار العسكريين تختلف عن الطبقة التقليدية للبازار.

وقال أحد الرجال، في تحقيق لشبكة بي بي سي، حول البازار الإيراني وتحديات الراهن “نشكو كلنا من شيء واحد، وهو تدمير هذا البازار بكل أمجاده”. ويقول أكبر تقي زاده المدير السابق لمنظمة التراث الثقافي في مدينة تبريز إن البازارات ساهمت في تحديد مخطط المدينة إضافة إلى حياتها الاجتماعية والثقافية، لكن بالنظر إلى المشاكل الحالية التي يعاني منها البازار هناك خشية من أن هذه الأسواق العريقة لن تتمكن من البقاء ليشهدها الجيل القادم.

12