برج إيفل في عمل مسرحي

مسرحية "أعلى من السماء" تتناول بأسلوب يمزج الوقائع التاريخية بالدعابة والروح الفكهة الظروف التي حفّت بإنشاء برج باريس الشهير.
الاثنين 2020/04/06
سرد مسرحي حول ملحمة تشييد "سيدة الحديد الأولى"

هو أكثر من رمز، هو روح باريس وفرنسا كلّها. امتلك إشعاعا عالميا منذ إنشائه، حتى أن ملايين البشر في العالم يستحضرونه في أحلامهم حين ينوون السفر إلى عاصمة الأنوار. إنه برج إيفل الذي ما كان ليُقام لولا حرص فئة تناساها التاريخ. ذلك ما تقترحه مسرحية “أعلى من السماء”.

بعد قرار الحكومة الفرنسية فرض حَجْر صحّي شامل، وغلق المسارح والمتاحف والأروقة وسائر المؤسّسات الثقافية نتيجة تفشي فايروس كورونا بالبلاد، اهتدى الساهرون على إدارة مسرح فونامبول مونمارتر بباريس إلى طريقة ذكية لمواصلة العروض المسرحية عن بعد بالاعتماد على وسائل الاتصال الحديثة، حيث تقترح على هواة الفن الرابع، عبر قناتها على يوتيوب، مسرحيات حديثة أو قديمة، بالتعاون مع الفرق المسرحية الفرنسية والعالمية، تتغيّر كل يومين لتترك المجال لعروض أخرى.

ومن بين ما اقترحته مسرحية “أعلى من السماء” التي عرضت مؤخرا على خشبة مسرح فونتين. هذه المسرحية تتناول الظروف التي حفّت بإنشاء برج باريس الشهير الذي يحمل اسم المهندس غوستاف إيفل (1832-1923). وفيها يروي المخرج جان لوران سيلفي بأسلوب يمزج الوقائع التاريخية بالدعابة والروح الفكهة، كيف انطلق هذا المشروع الذي كان في بدايته حلما مجنونا، لم يبتدعه إيفل، بل مهندسان آخران يعملان لحساب شركته، هما موريس كوشلين (1856-1946) وإميل نوغيي (1840-1897) وكانا عرضا معا مشروعا غريبا على كلير ابنة إيفل، التي عرضته بدورها على أبيها، فرفضه جملة وتفصيلا، لأنه مشروع مجنون، فضلا عن كونه عديم الجدوى في نظره، أضف إلى ذلك أن إيفل كان غارقا في إدارة شركته وتنفيذ التزاماتها.

غير أن ابنته، التي كانت تبحث عن شرارة تُعيد لأبيها طاقته الإبداعية وهو الذي أنجز قبلها عدة جسور ومحطات أرتال في فرنسا وخارجها، استطاعت أن تُقنعه بأن البرج سيكون أعلى بناية في العالم (سيظل كذلك طيلة ثلاثين سنة حتى إنشاء مبنى إمباير ستيت في نيويورك)، وتدفعه إلى تبنّي الفكرة، لتنطلق ملحمة تشييد “سيدة الحديد الأولى” (البرج في الفرنسية مؤنث) بداية من العام 1887.

والمسرحية تُواكب تشييد هذا المعلم منذ انطلاق المشروع حتى إنجازه وتدشينه، ولكن بطريقة ذكية بعيدة عن الجانب التوثيقي، حتى أن المتفرّج يظل متشوّقا لمعرفة النهاية والحال أن البرج قائم منذ 1887. فهي هنا مثل شريط “تيتانيك” الذي شدّ الأنظار رغم أن غرق الباخرة بمن فيها يعلمه القاصي والداني.

"أعلى من السماء" مسرحية لا تؤلّه أبطالها الواقعيين، بل تقدّمهم كما هم في لحظات ضعفهم، من غضب وشكّ وغيرة

ذلك أن سيلفي يتوقّف عند بعض المحطات الفارقة، ليشحن المسرحية بنوع من التوتّر، كانشغال الجميع بالمكان الذي سوف تُقام فيه هذه الزرافة العملاقة المثقوبة من كل جانب، وحشد المموّلين لتوفير أطنان من الحديد المسبوك، أو اللحظة التي جاء فيها مُتصرّف المكتب المالي يُعلم الجميع بوشك الإفلاس، والأشغال لا تزال في بدايتها، لاسيما بعد  أن هدّد العمال الإيطاليون بالإضراب عن العمل إذا لم تمنحهم الشركة يوم راحة أسبوعية، وارتياب البنوك التي بدأت تسحب اعتماداتها.

إضافة إلى ما صدر عن النخبة المثقفة من انتقادات حيث شبّهوا البرج بأنف سيرانو دو برجوراك ينحط على المدينة، أو بعمود كهرباء تراجيدي حسب عبارة الروائي ليون بلوا، أو بهيكل تخشيبةِ حراسةٍ في العصر الوسيط بعبارة الشاعر فيرلان..

كما أن أحد مُساعدي كتّاب الدولة، الذي يتولّى الإشراف على المشاريع الكبرى، بدأ يرتاب من ضخامة هذا المشروع المعماري الذي لا جدوى من ورائه، وكان يهمّ بإلغاء الترخيص لولا زوجته التي كان لها رأي آخر. حتى غوستاف إيفل نفسه داخَله شكّ في هذا المشروع المجنون، ولولا إصرار ابنته كلير لعدل عنه نهائيا. وحتى نهاية المسرحية، يُمنع المتفرّج من التأكّد من إنجاز البرج، والحال أنه قد يكون مرّ أمامه قبل أن يصل إلى المسرح.

“أعلى من السماء” هي مسرحية طريفة، مُفيدة ومُسليّة في الوقت ذاته، تجمع بين الكوميديا والعلم والتاريخ. تكمن قوتها في أنها لا تؤلّه أبطالها الواقعيين، بل تقدّمهم كما هم في لحظات ضعفهم، من غضب وشكّ وغيرة. وتكمن أيضا في ثراء أداء الممثلين والممثلات، فقد تقمّصوا أدوارهم بامتلاء، فكانوا جادّين حين يلزم الجدّ، مرحين في أوقات اللهو، دون التزام صارم بالشخصيات الأصلية، حتى أن العرض يُذكّر أحيانا بمسرح البولفار. ولئن كان تغيير الديكور في حاجة إلى تعديل، فإن الموسيقى التصويرية، المستوحاة من الأفلام الصامتة، كانت مناسبة لمرافقة وقائع تلك الفترة.

لقد استطاع جان لوران سيلفي أن ينقل أجواء تلك الملحمة، ملحمة تشييد برج كان الباريسيون يدعون إلى إزالته بعد انتهاء الاستعراض العالمي عام 1789، لأنه يسيء في نظرهم إلى التناسق المعماري الذي أحدثه محافظ باريس البارون هوسمان في عهد الإمبراطورية الثانية، ثم تحوّل مع مرّ الأيام إلى رمز، يعتزّ به الفرنسيون كافة، ويرتاده السياح كما يرتادون متحف اللوفر أو قصر فرساي.

وقد عبّرت المسرحية بصدق فني عمّا عاشه أبطال تلك الملحمة من مشاعر متناقضة، إذ حفلت بتقلبّات وتشويق وخيبات، ومخاوف وخصومات، وتضارب مصالح، قبل أن تشهد الانفراج، والفرح الذي يعقب النجاح.

16