برج بابل بلغات العالم

الجمعة 2017/09/08

وأنا أقرأ عن مشروع برج الكتب الهائل وما قالته الفنانة عنه بأنها استقدمت برج بابل إلى بلادها الأرجنتين وزرعته وسط العاصمة من أجل هيبة الكتاب وعظمة الإبداع، لي أن أتساءل ونحن أصحاب بابل وبرجها وأصحاب الملوية الحلزونية، هل خطر لأحد فنانينا أو الشخصيات المعنية بثقافة العراق أن تخلد برج بابل في مشروع فني وسط أحد ميادين بغداد الكبرى؟

أنا على ثقة بأن فنانا يتصدى لإنجاز مشروع كهذا بوسعه ابتكار كتب من ألواح الرصاص أو الفولاذ وتكتب عليها عناوين آلاف الأعمال الأدبية والفكرية والملاحم الشهيرة وكتب الاختراعات العلمية وتصمم بطريقة بارعة وبألوان مشرقة تجعل الميدان البغدادي مزارا لعشاق الكتب والإبداع ويُصار إلى إضاءة البرج في المناسبات والأعياد ليمنح المدينة بهجة ورونقا يليق بمكانتها وتاريخها الثقافي، ويمكن أن يضم داخل البرج متحفا لكتب الكتاب العراقيين حصرا وتخصص زاوية منه لكتب الأطفال التي أنتجها كتاب عراقيون على مر العقود.

قبل ثلاثة أعوام شيدت الفنانة الأرجنتينية الشهيرة (مارتا مينوجين) برجا يضم ثلاثين ألف كتاب في وسط ميدان سان مارتن أكبر ميادين العاصمة بوينس آيريس وأطلقت عليه اسم (برج بابل) ومارتا مينوجين فنانة مفاهيمية وأدائية عرفت بعروضها الفنية الحية ومؤلفاتها الموسيقية والغنائية التي تقدمها رفقة الأعمال الأدائية.

أقامت الفنانة برجها الحلزوني من الفولاذ الذي يماثل تصميم منارة الملوية في سامراء بسبعة طوابق متدرجة مساحتها نحو 25 مترا مربعا وغلفت فراغات البرج بنحو ثلاثين ألف كتاب من عشرات الثقافات واللغات العالمية بمناسبة تسمية بوينس آيريس عاصمة عالمية للكتاب وتبرع آلاف القراء والمكتبات بالكتب كما تبرعت خمسون سفارة بكتب منوعة من بلدانها وعندما أتمت نصب برجها ارتقى الزوار طوابق السقالة السبعة تصاحبهم الموسيقى التي ألفتها الفنانة ومع الموسيقى كان صوتها يكرر كلمة (كتاب) بعشرات اللغات.

تجاورت على جدران البرج قصص الأطفال اليابانية وملحمة رعاة البقر الأرجنتينيين وكتب بلغة الباسك واللغات الأوروبية الحية والصينية والعربية والأفريقية. علقت الفنانة مارتا على إنجازها لهذا البرج بأنه تجربة فنية عجائبية أدهشت الزوار والعابرين فقد جمع بين عراقة الرمز التاريخي لبابل وبين البعد الثقافي والإنساني، فلم يعتد الناس على رؤية هذا العدد الهائل من الكتب في الهواء الطلق احتفاء بالكتاب والأدب وتقديرا لأهمية دور الكلمة المكتوبة في تعزيز الحوار بين الثقافات من أجل السلام العالمي.

ترى من سيبادر ويتصدى لإنجاز مشروع كمشروع الفنانة الأرجنتينية مارتا من فنانينا وأثريائنا الذين يوظفون فنهم وأموالهم في متاحف عواصم عربية أو عواصم عالمية؟

من هي المؤسسات الثقافية والجامعات والوزارات التي سوف تتنافس لدعم المشروع وتخصص له ميزانية تليق به كمشروع رمزي يحيل إلى برج بابل كموئل للغات العالمية ومرفأ للكتب ومتحف لإنجازات كتاب العراق؟

هل نحلم بمشروع كهذا يولد في غفلة من الخراب الكبير الذي كسف وجه عاصمتنا ويمنحه إشراقة الفكر وبهاء الثقافة وأبهة الفن ووفاء عشاقها ومحبيها؟

علما أن الفنانة الأرجنتينية اعتبرت برج بابل مشروعها الشخصي ومنجزها الفني ومولته وحدها ولم تعتمد على معونة من مؤسسة حكومية أو جامعة أو سفارة وكانت مزهوة بمنجزها، ولأن الكتب التي بني بها البرج كانت كتبا حقيقية فقد أقيم في صيف الأرجنتين وبعد شهور من إقامته توزعت آلاف الكتب بين الزوار والعابرين وعليها توقيع مارتا باعتبار الكتب ذكرى لبوينس آيريس عاصمة عالمية للكتاب.

كاتبة عراقية

14