"برج بابل" حديث

السبت 2014/03/08

من أوجه الافتراء على الحقيقة ادّعاء الإحاطة بها، وامتلاكها، والإلمام بكافة المجريات التي أدّت إليها. غير أن العمل على إظهار تواضع عدم امتلاك اليقين المعرفي، لدى رهط من “مثقفينا” وكتّابنا ومالئي مساحات صحافتنا، الورقيّة والالكترونيّة على حدّ سواء، ليس بالأمر السهل أوالهيّن عليهم.

كما أن للكلمة المكتوبة والمنطوقة قوة وسطوة تكسبان ناطقها نوعاً من الارتياح أوالاكتفاء، تذهبان به، عند وقوعه على استجابة المُنصت إليه على نحوٍ يشي باقتناعٍ ما، إلى التسرع بنسج أحكام قاطعة على وقائع الواقع والحياة الصاخبة من حوله. يتحوّل “هذا الناطق/ الكاتب”، في مرايا ذاته المحيطة به كجدران قلعة، سلطةً بفعل الكلمة السحري! هذا أمرٌ يمكن فهمه ضمن بديهيّة رضى الذات عن أدائها الممارَس على قاعدة التواصل الاجتماعي المتاحة لشتّى ما تأتي به “القرائح” الفرديّة بأفكار بارقة في سماوات الانفعال اللحظي، والنشر الفوري في الوقت نفسه!

اللافت في هذا، أن مجرد نشر “رأي شخصي” وتبيان “وجهة نظرٍ ما”، حين يُعممان عبر ما بات يُعرف بـ”الشبكة العنكبوتية”، سرعان ما يتحولان إلى “أحكامٍ وحدود وتحديدات” شبه جاهزة ينبغي اعتبارها من الأمور الموجبة لـ”الحوار” والمزيد من الحوار، ولو عبر التعليقات المرسلة على عواهن القُرّاء/ الكُتّاب الإلكترونيين. وهكذا نكون انتقلنا، بين ليلة وصباح، من قائمة الأمم الأقلّ قراءة لنصبح الأمة الأكثر كتابة.

لكنها ليست كلّها (التعليقات، أو المداخلات، أو “الكتابات” المتصفة بالتعقّل النسبي) قابلة لإمعان التفكير فيها وصرف الوقت عليها. فمنها ما هو مجرد “تنفيس″ عن غضب يخصّ صاحبه، وبعضها لا يعدو أن يكون خربشات لخواطر عامة عائمة منفلتة من أيّ ضبط، وثالثها استعراضٌ بائس ومكرر لكلامٍ قديم فقد صلاحيته، ورابعها ادّعاءٌ بفصاحةٍ أدبية هشَّة، إلخ. ومع ذلك ترانا، كأفراد نتعايش مع “هذا المجتمع الافتراضي”، نقتل أوقاتنا، ونغتال أعصابنا، ونستنفد بقايا طاقات التركيز لدينا، فنغلق بوابة هذا البرج المحتشد بما يليق بالنسيان، ونرميه في أوعية سقط المتاع.

غير أننا، وفي الغد، ننسى أكوام تلك “الأشياء” الجديرة بالنسيان، ونعيد فتح بوابة البرج من جديد، لنأخذ حصتنا كاملةً في قتل أوقاتنا، واغتيال أعصابنا، واستنفاد طاقات تركيزنا وصفائنا، كأنّ شيئاً لم يحدث.

أثمّة ما يحدث هناك، في برج بابل؟

كاتب من الأردن

17