برد

الأربعاء 2015/01/14

لن أسأل إلى متى.. لأن استسلامنا لفكرة أنه قضاؤنا وقدرنا لم يعد مجديا.. ولأنه آن الأوان لنا أن نعيد قراءة التاريخ بعقل واع قادر على الفهم والاستيعاب والتحليل والتجاوز.. بأمل الوصول إلى ما يجدي وما يغيّر.. وما يجعل الحياة ولو لمرة تضع قدمها على أول الطريق المسمى إنسانية.. فقد أصبح أقل ما يقال عما نراه ونعيشه، منذ عقود طالت معاناتـُها، إنها حياة لا تمتّ لمفهوم الإنسانية بشيء..

برد.. وما الضير من البرد؟ ما الجديد؟ العالم يواجه الشتاء في كل عام.. لسنا في العصور الحجرية.. وبفضل الحضارة والتحضّر فإننا لن نموت بردا مثلما كان يموت الإنسان القديم..

ولكننا نموت بردا وعَـوَزا وذلا..

ألن نستطيع أن ندينَ البرد بمدفأة ودثار وسقف آمن فقط؟.. ولكن بماذا نستطيع أن ندين الحقد؟ أو أن ندين ضمائر العالم الصامتة والشامتة والمستفيدة من بيع الحقد والسلاح والدمار؟

بماذا ندين؟ وكيف يمكن أن ندعّي انتماءنا للحضارة والتحضّر ونحن نموت بالمجان؟ بسلاح المحتل وسلاح القوى العظمى وسلاح الدكتاتور وسلاح التفرقة وسلاح التطرف وسلاح التخلف وسلاح العنصرية.. وأيضا سلاح الطبيعة؟

كيف نقهر كل هؤلاء الأعداء؟ ولماذا علينا ألا نعيش بلا أعداء؟ ألا يمكننا أن نحيا بلا أعداءٍ ولو بالصدفة؟ نحن في القرن الحادي والعشرين ومازال الموت سيد المشهد.. مازالت الكوارث أسرع وأفضل الطرق لتحديد نسل البشرية..

بشرية.. يا لها من كلمة تخلّتْ عن معناها واُفرغت من كل فحوى.. بشرٌ يموتون بالآلاف وبكل الطرق.. حتى غدت الطبيعة القاسية هي الأكثر تواضعا وحنواً أمام بشاعة ظلم الإنسان لأخيه.. بشر تـُشرّدهم القنابلُ والبراميلُ المتفجّرة والجرذان المتاجرة بالسياسة والدين والثورة.. قرى تبادُ بأكملها لينجو منها من تحضنه الصحراء وتؤويه خيمة السماء أو خيمة المساعدات.. ويطول انتظاره لملاذ أو مهرب.. يمرّ صيفٌ بقيظهِ وسمومه ويحلّ شتاء بثلجه وثقل ليله.. فأين ضمير البشرية منهم؟ أين الحضارة والتحضّر؟

ها هي العصور الحجرية تشهر وجودها وقسوتها وتطرّفها، ولكن بأزياء جديدة وبملابس تنكرية فاخرة.. إنهم يأكلون لحوم البشر مثل ديناصورات منقرضة.. ولكنهم يفعلون ذلك بالإعلام وبالكومبيوتر والآيباد والآيفون وبأحدث الأجهزة والأسلحة الفتاكة التي هي خلاصة تقدم البشرية..

قد نجد الكثير منا –ممن يحسّ بمعنى كلمة إنسان– وقد أرّقهُ ضميرهُ وهو يتحسسّ دثارهُ ودثار أطفاله بينما الآخرون بلا دثار.. وكأنه كان السبب وراء تشرّد كل هؤلاء البشر وسلب حياتهم وكرامتهم وحقهم في الحياة..

ونجد أصحاب الضمائر الحيّة والأقلام النزيهة في العالم يدينون مثلنا وبشدة قتل صحفيين عزل.. ولكن من أدان معنا كل ما نتعرض إليه من إبادات جماعية منذ ما زاد على نصف قرن وحتى صباح اليوم؟ بل وحتى غدا.. من أدان معنا وشجب ووقف وقفة حداد على جرائم إبادة شعوبنا؟ مِن أقلياتٍ إلى أصحابِ أرض إلى عرب وأكراد وشيعة وسنة ومسيحيين ومندائيين وتركمان وإيزيديين وشبك و..و..؟ وقد تقاسمَ ظلمنا المحتل والدكتاتور والتطرف والشياطين الخرس.. وأخيرا.. عواصف الثلج..

هل نحن السبب وراء كل هذه الكوارث التي تحيق بنا؟ ألم يحن الأوان بعد لصحوة تستنهض إنسانيتنا وتحضُّرَنا ووعينا لنقفَ أمام عدونا الحقيقي وقفة فهم وإدراك وشيء من حداثة وتحضّر؟

21