برزان كجو ينحت الثورة السورية من على منبر الإنسانية

الجمعة 2015/01/09
برزان كجو يعرض يوميات الثورة من خلال أثره الفني "طابور الشهداء"

الفنان برزان كجو الذي يقيم معرضه الشخصي في مدينة “بريمن” الألمانية، حيث يعرض فيه عددا من لوحاته ومنحوتاته الجديدة، هو بحق أحد الفنانين الكرد السوريين الذين لم يرضخوا للتدجين، ما اضطرّه للهجرة من مسقط رأسه “قامشلي” التي ظل مشدودا إليها، كما تشير لوحاته وكتاباته إلى ذلك.

تنقل برزان كجو بين الكتابة والسينما في المدة الأخيرة، تاركا منحوتاته إلى حين، وعنها يقول: “بعد فترة طويلة من انشغالي بأعمال مثل الأفلام والتصميم باستخدام طريقة تقنية الوسائل المتعددة، والتحضير لروايتي “شمس الحياة”، ابتعدت فيها عن الفن والنحت قليلا، بسبب ظروف صعبة مرت بي، لكني لم أدَعْهما يوما جانبا، بل كنت دائما أقوم برسم مخطوطات ورسومات على الورق وتدوين ملاحظاتي وأفكاري”.

عاش كجو صدمة الثورة السورية كمبدع يقيم في المهجر، حيث شعر بعد انطلاقة الثورة السورية في 2011، أنه من واجبه القيام بعمل يقاوم هذا الظلم السائد على الشعب السوري وبطريقته طبعا.

يقول كجو: “نعم، لقد كانت الصور والأحداث ضربة من العيار الثقيل الذي أيقظ العنفوان بالنسبة إليّ، من حيث مضمون تلك الجرائم وطريقة ارتكابها. في سوريا حصل العديد من الجرائم من قبل النظام وغيره، وانتشرت صور القتل والدمار ما جعلني أكثر نشاطا”.

حينها بدأ يرسم ويدوّن كل ما يفكر فيه من خلال فنه الذي يعتبره وسيلة مقاومته، لذا اعترف بأن الثورة كانت بمثابة المحرك الأقوى لمعرضه الأخير من جميع نواحيها السلبية والإيجابية.

وعن ردّة فعل الزوار من الكرد والألمان لمعرضه رغم خصوصية كل منهما، يؤكد كجو على أن نسبة الكرد والسوريين كانت ضئيلة في معرضه، إلاّ أن تلك النسبة كانت جيدة من حيث الانطباع الذي تركه المعرض لديهم.

أما بالنسبة للزوار الألمان، فقد كانوا متأثرين بالمواضيع العديدة والتي خرقت أحيانا حدود المحظورات لديهم، ملاحظا أن غالبيتهم يوافقونه الرأي في المواضيع المعروضة من خلال المنحوتات النافرة والحافرة.

يوضح: “أجل، لكل منهما خصوصياته من حيث الحياة والعادات والجغرافيا، إنما كان يجمعهما الإمعان والتأثر وحب النقاش، أما عن خصوصية الألمان فغالبيتهم لا يشاهدون الأخبار سوى عبر الوسائل الإعلامية الخاصة، ومن خلال مشاهدتي لتلك الأخبار لاحظت الكثير من عدم الانحياز، حيث يكون الخبر في المجمل متلاعبا به”.

برزان كجو: أنا لا أمجد الإنسان ولا الآلهة، كل ما أقوم به هو تصوير الواقع الذي أعيشه

يسترسل كجو: “الجمهور الألماني كان يريد الاطلاع على شيء خارج النطاق الذي يعرفه عبر قنواته الإخبارية المفلترة، فحصل هذا الاختراق وبات الرأي الآخر مسموعا”.

الثورة السورية كانت حاضرة بكل ما للكلمة من معنى في معرض برزان كجو، ففي منحوتة “الغوطة” الكبيرة الحجم التي يعتبرها المجزرة الكيمياوية للأطفال والعزل، حيث يرى الثورة موجودة في مشعل تمو وعلي فرزات وحمزة الخطيب.

كانت الثورة حاضرة في كل جُزيئة، لأن مصطلح الثورة السورية أصبح بالنسبة إليه هو الموضوع العالمي الشامل، إذ أن ما يحصل في سوريا منذ أربع سنوات قد يحصل غدا في كل مكان دون أي استثناء. بلد يمحى بكل ما فيه من موزاييك.

يقول كجو: “هذه الثورة التي انطلقت على أيدي أطفال درعا ستنتهي بتغيير الكثير في المنطقة وفي العالم، الثورة التي كشفت لنا الكثير من تكالب الأمم على طلاب الحرية، الثورة التي حاولوا إفراغها من مضمونها ورسالتها، باتت الأنظمة الإسلامية والعربية قبل الأجنبية المكناة بالديمقراطية شرقا وغربا، تدعم دكتاتورياتنا باسم الديمقراطية، باسم الدين وباسم السلام لإسرائيل!”.

كل هذا أعطاه الدافع القوي كي يكشف عن الجانب الآخر من الموضوع كفنان، ويعتقد كجو أنه نجح من خلال معرضه في التحدث باسم الثورة السورية وعنها من وجهة نظره الخاصة، وذلك من على منبر الإنسانية لا من على أيّة منابر أخرى.

النحت هو الفن الأقدم الذي كان الآباء الميتانيون وبعدهم الميديون في قديم الزمان يتقنونه، حيث قاموا عبره بأرشفة وضعهم وتمجيد انتصاراتهم وحتى رسم انتكاساتهم وملاحمهم البطولية، هذا ما أراد رسمه كجو في معرضه حول أساطير وحكايات وتراث الكرد.

وعن هذا التراث يقول الفنان برزان كجو: “أنا لا أمجد الإنسان ولا الآلهة، كل ما أقوم به هو تصوير الواقع الذي أعيشه شخصيا ككردي سوري مغترب، وتخزين الوضع باحترامه أو باحتقاره.

هناك الكثير من أعمالي التي أتطرق فيها إلى الإرث الحضاري للكرد، أما في هذا المعرض بالتحديد فيكفي أن أكون بمثابة أسطورة تؤثر في الناس وتتأثر بهم”.
17