بركات الديك

ليت كل ديوكنا من خشب، حتى لا نبكي أحدا.
الجمعة 2021/01/15
ديك الحياة والموت

كان لكل بندقية من بنادق الصيد القديمة ديكٌ من فوق، بالضغط على الزناد ينقر الديك نقرة فإذا بالرصاصة تنطلق نحو الصيدة. وهذا الديك كان بلا ريش، من معدن أسود، لأن قوته وصلابته مطلوبتان. وكان في بيتنا بنادق عديدة للصيد، نذهب بها قديمًا إلى جبل سنجار ونعود محمّلين بالطيور الملوّنة. وكان لنا في سنجار آنذاك أهلٌ من الإيزيديين العرب من قبيلة عنزة نصطاد معهم، لكن أنا لم يكن يُسمح لي باستعمال السلاح في ذلك العمر الصغير. كنت مرافقًا لوالدي لا أكثر. وحين كبرتُ لم تعد لدينا أيّ بنادق في البيت لا للصيد ولا لغيره.

وذات يوم قرّر أحد المولعين بالصيد نسج مقلب غير تقليدي للترفيه البريء لا أكثر. عرض صديقنا الحكيم الظريف ذو الأصل الكركوكلي في السوق عددًا من ديوك البنادق التي قال إنها رخيصة ومهرّبة، والغريب أني كلما أردت الكتابة عن الديكة تظهر كركوك، وكلما أردت الكتابة عن كركوك يتقافز ديكٌ من بين السطور. المهم أن الرجل باع الديكة لسُراج. وسُراج هذا كان قد افتتح دكانًا للأدوات الخفيفة كالسنانير وخيطان المصيص والحنفيات والبراغي والمسامير وعدد الصيد يشبه دكان الفنان العربي القدير حسين نعمة الذي دشّنه قديمًا في الناصرية وكتب على يافطته من فوق اسم المحل “كل شي وكلاشي”، أي نبيع كل ما يخطر ببال الزبون.

بدوره باع سُراج الديكة لأهل الريف والبادية، ثم بدأ الفيلم العربي. بعضهم خرج إلى الصيد، ومنهم من اندلعت بينهم حروب عشائرية، تافهة وصغيرة طبعًا، لكن السلاح ضروري، وأيّ سلاح خيرٌ من بنادق أشرف على صيانتها المعلّم سُراج. وهنا عادت البطولة المطلقة للكركوكلي. لم تمت أيّ طريدة في المقناص، ولم يسقط أي جريح أو “شهيد” في حروب العرب التافهة تلك. عجيب. ماذا حصل؟

هاجم العربان دكّان سُراج، لم يعرف كيف يدافع عن نفسه، بينما كان الكركوكلي يضحك، وهو واقف جانبًا يتفرّج، سألوه: لماذا تضحك؟ انتظر الرجل إلى أن انفض الزبائن المحتجون بلا طائل، فلا أحد سيغلب سُراج ولسانه الطويل، ظالمًا كان أو مظلومًا. حينها قال له الكركوكلي “الديوك التي بعتك إياها كانت من الخشب الثقيل، فصّلتها وطليتها بالأسود كي تبدو مثل الديوك المعدنية، ولذلك لم تسقط أيّ ضحية ولم يفلح أيٌّ من هؤلاء في قتل غزال أو طير أو بني آدم. وكان كلُّ واحد منهم حين يطلق طلقة يتهشّم الديك الخشبي وتطقطق البنادق في وجهه على الفاضي”.

أفشل صاحبنا بحيلته الحروب، وقام بحماية الحياة البرية، فليت كل ديوكنا من خشب، حتى لا نبكي أحدًا، ونبقى نضحك ساخرين مثل الكركوكلي الحكيم.

 
24