بركات المدن ولعناتها

الأربعاء 2014/03/05

بعد مسيرة طويلة من الإبداع الروائي، وتراكم معتبر للنصوص، يحصل لدينا اليوم، ما يمكن وسمه “سير المدن”، هو مزيج من الرواية والسيرة الذاتية، قد يغلب في بعض نصوصه البعد الروائي، بينما تتحوّل المدن في نصوص أخرى إلى ذاكرة للذات وتعلة للتأريخ لها… لكن لم هذا الولع اليوم بالتأريخ للعواصم الأثيرة وللمدن التي تحوّلت إلى رموز في ثقافتنا العربية المعاصرة؟، لماذا كل هذه النصوص التي كتبت عن بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد وعمّان والرباط..؟، وبم نفسر هذا التواتر المذهل لسير الأدباء والسياسيين ونجوم الفن الذين آثروا أن يؤرخوا لذواتهم بالموازاة مع مدنهم الأليفة أو الموحشة، أوطانهم أو منافيهم، وأن يكتبوا سير الداخل العميق في طبقات تلك الأمكنة؟ كيف يمكن أن تتحوّل تفاصيل المدن الأليفة لدينا إلى أسرار محجوبة يستعاض عنها بالأحاسيس والرؤى الملونة بالعاطفة الروائية؟ لم نختار أن نطل على مدننا بخبرة الجرّاح، ومهارة الحاوي، لنسوّغ لذواتنا أن ثمة منطقا للصعود أو الانكسار؟ ولم لا تفتتنا تواريخ المدن، وتسحرنا مجازاتها وما تستثيره من صور ملتبسة؟

شلال من الأسئلة ينهمر في الذهن كلما طالعنا اسم مدينة على كتاب جديد، ربما لأن سير المدن تترجم “فتنة أصيلة بالذات”؛ حيث يمكن للوقائع والصور التي يشخصها الكاتب عن مدينته، أن تنطوي على جدل عميق مع هوية ملتبسة، تستبق قدر الفناء. أو لأن وعينا ونحن نحكي ما جرى، يأبى إلا أن يتورّط في أمكنة ويتسربل بتفاصيل الدروب والأزقة والمقاهي والحدائق والبيوت الآهلة والساحات الموحشة لمدن ألفناها وأودعناها أسرار ولعِنا بالحياة.

لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنيا.

هكذا تروى سير المدن، كما يعيها روائيونا، ويريدون لنا أن ندركها، لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أوما راود أحلام ساكنيها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مدن الطفولة واليفاعة، أو تطهرا من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بمدن عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود. فهي لعبة إضمار ورسم للأقنعة، مثلما أنها محفل اعتراف وإفضاء بما أثقل الخاطر. بيد أن تلك الكتابات أيضا تنطوي في العمق، جميعها، على مساحات مواجهة مع الخوف المتأصل فينا من النسيان والمحو. وتشبث صامت بما تبقى من مرافئ العبور.

كاتب من المغرب

15