"برك سليمان".. ماء حياة فلسطين التاريخية

الاثنين 2014/02/03
البرك حكاية حضارات وعصور سكنت أرض كنعان

بيت لحم- تختزن “برك سليمان” داخلها مسارا طويلا من تعاقب الحضارات، فقد تم حفرها أيام الملك سليمان الحيكم كما تقول رواية الإنجيل، لتبقى إلى يومنا هذا شاهدا يروي أحداثا كثيرة من قدوم الرومان والفتح الإسلامي والصليبيين والعثمانيين.. إلى الاحتلال الاسرائيلي.

بعد ترميمه لسور بيت المقدس وإنشائه لعين “عرفة” لسقاية الحجيج وإعانتهم بالمال والطعام أثناء رحلاتهم، أقدم السلطان العثماني سليمان القانوني على ترميم “البرك” التي كانت تحوي مياها عذبة صالحة للشرب وتطوير شبكة ضخها باتجاه المسجد الأقصى بالقدس، حتى يتمكن الزائرون من الشرب والمصلون من الوضوء.

تروي “برك سليمان” حكاية حضارات وعصور سكنت أرض كنعان منذ أكثر من 4 آلاف سنة قبل الميلاد، انطلاقا من العصور الحجرية والبرونزية والحديدية واليونانية والرومانية والبيزنطية، وصولاً إلى العصر الإسلامي العثماني والانتداب البريطاني وحتى عصرنا الحديث. ويقال إن تاريخها يعود إلى العهد الروماني. لكن روايات أخرى من أهل بيت لحم المسيحيين نقلا عما ورد في الإنجيل تقول أن البرك أنشأها الملك سليمان الحكيم. وهي تحتوي على ثلاث برك ضخمة مستطيلة الشكل تتسع لـ160 ألف متر مكعب من الماء، لتضخ بفعل قنوات مائية حجرية، وتطورت مع الزمن إلى فخارية ومعدنية.

تمتد هذه القنوات من بيت لحم وصولا إلى القدس، لكن لا تزال أجزاء من هذه القنوات المائية الحجرية، قائمة حتى الآن. وتحيط بالبرك أشجار الصنوبر وتتجمع مياه الأمطار المتساقطة على الجبال التي من حولها. وهي من أشهر المعالم التاريخية الكنعانية.

ويشار إلى أن أرض كنعان هي منطقة تاريخية تشمل اليوم مناطق في شرق البحر الأبيض المتوسط. وتشمل، فلسطين ولبنان وسورية وأجزاء من الأردن. و يعتبر باحثون أن الكنعانيين ينتمون إلى عائلة الشعوب السامية الذين استقروا في جنوب سوريا وفلسطين وسيطروا عليها سيطرة تامّة، حتى أنها عرفت باسم أرض كنعان أو بلاد كنعان. ويعتبرهم مؤرخو العرب القدامى من “العماليق”، وهي الشعوب التي جاءت من جنوب سوريا. وهناك إلى اليوم ساحل في منطقة عُمان جنوب الجزيرة العربية يعرف باسم كنعان.

تقول نصوص المؤرخين أن تسمية “البرك” تعود إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي أعاد ترميمها في العام 943 هـ. و يعتبر سليمان القانوني الخليفة الأبرز الذي اهتم بمسألة “الأمن المائي” للمنطقة، فسارع إلى إنشاء نظام ضخ المياه منها باتجاه مدينة القدس، عقب إعادة ترميم سورها في ذلك العهد. سليمان القانوني هو عاشر سلاطين الدولة العثمانية، وثاني من حمل لقب “أمير المؤمنين” من آل عثمان، وصاحب أطول فترة حكم للدولة العثمانية الممتدة من 1520 حتى 1566م، خلفاً لأبيه السلطان سليم خان الأول، وخلفه ابنه السلطان سليم الثاني.

عندما ترفع رأسك إلى أعلى البرك من جهة الشرق، ستقابلك من أول نظرة جدران عالية قديمة، في “قلعة البرك” التي بناها السلطان عثمان الثاني الذي تولى الحكم عام 1618وعمره 13 عاما قبل أن يقتل عام 1622وذلك لحماية البرك من أي مخاطر قد تحدق بها نظرا لأهميتها.

وقد حولتها السلطة الفلسطينية إلى متحف تراثي بعد إعادة ترميمها، يحوي 2750 قطعة أثرية، تمثل عدة حقب تاريخية مرت من تلك المنطقة. وهي إلى الآن لا تزال تحتوي على كتابات عثمانية، إلى جانب بقايا مضخات المياه بجانب البرك وهي المضخات التي تم تشييدها في العام 1909 مصحوبة بصهاريج ضخمة لمعالجة وتنقية المياه بواسطة رمال خاصة قبل ضخها.
تحتوي برك سليمان على ثلاث برك ضخمة تتسع لـ160 ألف متر مكعب من الماء، تضخ بقنوات حجرية تطورت إلى فخارية ومعدنية تمتد إلى القدس

ويقول معمرون فلسطينيون من قرية “أرطاس” القريبة من البرك، إن “صهاريج وآليات تم جلبها من العاصمة البريطانية لندن، لبيت لحم لضخ المياه للقدس، بعد تعطل مضخات مياه تركية، في ظل الانتداب البريطاني لفلسطين (من 1920 حتى عام 1948).

وبحسب مؤرخين، تعاني مدينة القدس عبر التاريخ من نقص حاد في مياه الشرب، حيث كانت القنوات المائية الأرضية الواصلة بين القدس وبيت لحم، تمثل شريان الحياة في المدينة المقدسة.

“برك سليمان” ليست مجرد مكان أثري أو مزار سياحي يذكر بتعاقب الحضارات التي مرت من أرض كنعان فقط، بل هو اسم أصبح يطلق أيضاً على المهرجان الثقافي الغنائي، الذي يقام سنوياً، بالقرب من “البرك”، ويحييه كبار النجوم العرب، ويقام على الأراضي الواقعة، بجوار قصر المؤتمرات، ببيت لحم.

و”تحولت البرك بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين إلى مكاره صحية (مستنقعات مليئة بمياه ذات رائحة كريهة)، بسبب تسرب مياه الصرف الصحي من المستوطنات الإسرائيلية المقامة بالقرب من المنطقة”. و يؤكد مدير مشروع “برك سليمان” السياحي الفلسطيني ماجد إسحاق أن “البرك التاريخية تتعرض إلى محاولة تهويـد إسرائيليـة، حيث تقتحم مجموعات من المستوطنين اليهود البرك بين الفينـة والأخـرى، لأداء طقوس دينية في الموقع، وإلصاقهـا بنبي الله سليمـان عليه السـلام”.

وهو ما أكده حارس البرك إبراهيم عبيات بقوله أن “المنطقة تتعرض بشكل متواصل، لاقتحامات من قبل المستوطنين، بحماية قوات عسكرية إسرائيلية، حيث يقيمون الصلوات التوراتية، مدعين أنها برك مقدسة”. حتى أن السلطات الفلسطينية أنشأت عام 1996 شركة خاصة بها أسمتها “برك سليمان”، مهمتها تطوير المنطقة، وإعادة تأهيلها، بعد سنوات من الإهمال تحت سلطة الاحتلال.

أصبحت “البرك”، وهي واحدة من أهم المواقع التاريخية السياحية في فلسطين، في الوقت الحالي، متنزها لسكان مدينة بيت لحم، جنوبي الضفة الغربية، ومقصداً لراغبي الاستجمام من كل أنحاء الضفة، وذلك لما تتمتع به المنطقة من مناظر طبيعية خلابة، كالأحراش الزراعية والينابيع. لكنها تعاني اليوم من تهديدات جدية بتدميرها وطمس معالمها وقيمتها التاريخية نظرا لتهجمات المستوطنين بين الحين والآخر وغياب الصيانة وهو ما يجفف منابع البرك حتى تصبح فاقدة للحياة.

12