برلمان الشارع يقفل برلمان السلطة

في هذه اللحظات المفصلية، يتساءل المراقب عن ردة فعل حزب الله بعد كل هذا الإذلال، وهو حامي الائتلاف السلطوي والمطالب ببقائه.
الأربعاء 2019/11/20
الشباب صانع التغيير

الثلاثاء 19 نوفمبر، كانت مطرقة إدارة الجلسة البرلمانية في لبنان بيد الشارع، الذي ضرب بها على الطاولة معلنا رفع الجلسة قبل بدئها، الجلسة التي أصر رئيس مجلس النواب نبيه بري على عقدها في محاولة منه للتأكيد على شرعية دستورية يتلطى خلفها من أسقطهم اللبنانيون في الشارع.

كانت جلسة مجلس النواب مقررة يوم الثلاثاء الفائت، أي يوم 12 نوفمبر، غير أنها أجلت تحت ضغط الشارع المحتج، الذي بدوره أسقط عقدها.

فمنذ الصباح الباكر احتشد المتظاهرون القادمون من أنحاء العاصمة بيروت ومن مختلف المناطق اللبنانية وقطعوا بحضورهم الكثيف كل الشوارع، التي تقود إلى مبنى المجلس النيابي في ساحة النجمة وسط العاصمة بيروت.

فالشارع المنتفض ينتظر من السلطة وتحديدا من رئيس الجمهورية ميشال عون، أن يبادر إلى عقد الاستشارات النيابية لتكليف رئيس جديد للحكومة، واستطرادا تشكيل حكومة تتمتع بقبول الشعب. حكومة من خارج القوى المسيطرة المتهمة بالفساد وبنهب المال العام وتتمتع بصلاحيات تشريعية استثنائية، وبالتالي تحييد مجلس نواب السلطة بانتظار انتخابات تشريعية مبكرة.

في المقابل كانت قوى السلطة متمثلة برئيس مجلس النواب تصر على عقد جلسة تشريعية لمجلس فاقد للشرعية من أجل فرض قانون عفو عام ينقذ رؤوس المافيا الحاكمة من الملاحقة.

ومن المعروف أن قانونا للعفو العام كان قد أقر بعد اتفاق الطائف، أتى بأمراء الحرب والمال إلى الحكم فاستخدموا كل الوسائل، بما فيها التشريعات والقوانين الانتخابية، التي فصلت على مقاس تأبيد سيطرتهم للتجديد لهم ولأبنائهم في السلطة على مدى يقارب من ثلاثين سنة.

تلك الحقبة، حفلت بالأزمات المتواصلة في مختلف الخدمات والنواحي بما في ذلك إغراق مالية الدولة بالدين العام وتدمير القطاعات الاقتصادية المنتجة، وصولا إلى الانهيار المالي والاقتصادي الحالي، الذي أدى إلى الانتفاضة الشعبية المتواصلة منذ السابع عشر من أكتوبر حتى اليوم.

لم ينس اللبنانيون ما جره عليهم قانون العفو العام السابق ليقفوا موقف المتفرج على إقرار قانون عفو جديد يحرر ناهبي المال العام وكبار المرتكبين من الملاحقة القانونية، وبالتالي يمنع محاسبتهم واسترداد الأموال المنهوبة، ولذلك شهدنا أمس كيف قال الشعب كلمته ومنع انعقاد جلسة مجلس النواب.

عدة كتل نيابية أعلنت في اليومين الماضيين مقاطعتها للجلستين النيابيتين المقررتين: الأولى لانتخاب اللجان النيابية وهيئة مكتب المجلس، التي كانت حجة لعقد جلسة ثانية للتشريع في ظل حكومة مستقيلة وقبل مناقشة وإقرار الموازنة العامة، التي يشترط الدستور على المجلس النيابي إقرارها في طور انعقاده الراهن قبل أي عمل آخر. لكن تلك المقاطعة لم تحصل لولا أن تلك الكتل أدركت أن إصرار الشارع الغاضب سوف يتفوق على إصرار رئيس المجلس نبيه بري. وهذا ما حصل بالفعل.

والدليل أن أكبرها، كتلة تيار المستقبل برئاسة سعد الحريري، رئيس الحكومة المستقيل، وكتلة اللقاء الديمقراطي، كانتا قد أعلنتا أنهما سوف تشاركان في الجلسة الأولى، الانتخابية، وتمتنعان عن الجلسة الثانية، التشريعية. لكنهما عادتا وقاطعتا كلتا الجلستين نظرا للحالة الثورية التي أحاطت بمقر البرلمان.

لكن المخزي، وللأسف، كانت حالة النواب الذين حاولوا التسلل إلى مبنى البرلمان مخترقين الطوق الشعبي الثائر. لكنهم لوحقوا بالهتاف والشتائم إلى أن غادروا. وارتكب موكب أحد النواب حماقة اقتحام حشود المتظاهرين لكنه موكبه المكون من ثلاث سيارات أجبر على التراجع بين الحشود حيث “أطيب” عدد من المتظاهرين استقباله بالمقذوفات والهتافات المهينة، حتى أن المرافقين قاموا بإطلاق النار من الزجاج الأمامي لإحدى السيارات المرافقة خوفا وجبنا من أن يفتحوا نافذة السيارة ليخرجوا سلاحهم منه.

إلى هذا الدرك من الانحطاط والذل وصل من يفترض أنهم جاؤوا إلى مجلس النواب، ليشرعوا القوانين باسم الشعب! إنه السقوط المدوي ولا شيء غير السقوط، فلا شرعية لا دستورية ولا قانونية لمن سقطت شرعيته الشعبية فأمعن في إسقاطها بنفسه تماديا في الغرور والتحدي.

في هذه اللحظات المفصلية، يتساءل المراقب عن ردة فعل حزب الله وموقفه، بعد أن شاهدنا أحد نوابه محاصرا من قبل المتظاهرين، الذين يهتفون في وجهه “يسقط حكم الأزعر”، فوجد نفسه مضطرا أن يشاركهم الهتاف! ليعود ممتطيا دراجة نارية بعد أن استحال عليه متابعة طريقه في سيارته.

ماذا سيكون عليه موقف حزب الله بعد كل هذا الإذلال، وهو حامي نظام هذا الائتلاف السلطوي والمطالب ببقائه؟

وبهذا الإنجاز الكبير تراكم انتفاضة الشعب اللبناني انجازاتها. في حين تترسخ الأزمة وتتفاقم بين قوى ائتلاف السلطة، الذين تتنازعهم المصالح والخوف الكبير من المحاسبة القادمة حتما، الأمر الذي يجعلهم أكثر تمسكا بمواقعهم السلطوية التي يتهددها السقوط.

بالأمس فاز المحامي المستقل ملحم خلف في مواجهة تحالف قوى السلطة في انتخابات نقابة المحامين، وقبلها كان إسقاط محاولة تكليف أحد رموز الفساد لتشكيل حكومة جديدة، ولا يزال الشارع منتفضا حتى تشكيل الحكومة التي تحقق إرادته: حكومة مصغرة مستقلة عن القوى المسيطرة، من أكفاء شجعان وبصلاحيات استثنائية، تقر التشريعات ذات الأولوية واللازمة لانتشال البلاد من الهوة التي دفعتها إليها هذه القوى.

8