برلمان الكويت: هل تقود أزمة التقشف إلى الحل للمرة الثامنة

يرجح محللون أن تؤدي التركيبة الجديدة لمجلس الأمة الكويتي إلى خلافات على قضايا عدة أهمها سياسة التقشف الحكومية، حيث سعى النواب المعارضون لممارسة رقابة صارمة على أعمالها في الوقت الذي ترغب فيه الحكومة في المضي قدما في تنفيذ بعض الخطوات التي ترى أنها ضرورية.
الأربعاء 2016/11/30
مواجهات انتخابية أخرى واردة

الكويت – نجحت المعارضة الكويتية في الوصول إلى مجلس الأمة (البرلمان)، بعد أن تراجعت عن قرار مقاطعة الانتخابات، مستثمرة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد على خلفية تراجع أسعار النفط، ودفعتها إلى وضع خطة إصلاحية تستدعي التقشف والتشارك مع المواطنين في تحمل أعباء الأزمة.

وأظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الكويتية، التي أجريت السبت الماضي، تغييرا ملحوظا في تشكيل مجلس الأمة باستبدال نحو 60 في المئة من أعضائه السابقين وعودة قوية لممثلي المعارضة، فيما بدا أنه تصويت شعبي رافض للإجراءات التي تدعم سياسة التقشف التي أثرت على جيب المواطن ومستلزماته اليومية في دولة نفطية اعتاد مواطنوها أن تتكفل الحكومة بالكثير من احتياجاتهم.

وقال خبراء إن سياسة التقشف التي تطبقها الحكومة الكويتية منذ نحو سنتين وتتضمن تقليصا للمزايا المقدمة للمواطنين وتخفيض الدعم عن عدد من السلع والخدمات، مرشحة لأن تفجر العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في ظل برلمان تشكل المعارضة منه جزءا لا يستهان به.

وضمنت المعارضة، التي يهيمن عليها الإسلاميون نحو نصف مقاعد مجلس الأمة الكويتي بعد فوزها بـ24 مقعدا من مجموع 50 مقعدا التي يتشكل منها المجلس.

وكان عدد من النواب الفائزين في هذه الانتخابات أعلنوا خلال حملتهم الانتخابية أنهم في حالة الفوز، سوف يقاطعون خططا للحكومة تهدف إلى التقشف وخفض النفقات العامة.

وكغيرها من الدول الخليجية، شكّل تدني أسعار النفط في العالم ضربة للاقتصاد الكويتي، وتعرّضت موازنتها العامة لعجز لافت وهو أول عجز منذ 16 عاما.

ويقول منتقدو الحكومة إن عليها أن تبدأ أولا بإغلاق ما يسمونه بـ“أبواب الهدر” في المصروفات الأخرى التي تشكل عبئا على الميزانية العامة قبل أن تلجأ إلى التضييق على المواطن.

ومن هذه الأبواب، العلاج بالخارج الذي يهدف إلى علاج الحالات المستعصية عند المواطنين في الخارج على حساب الدولة، لكن منتقديه يقولون إنه تحول إلى “رحلات سياحية” لترضية المقربين من الحكومة أو النواب.

وطبقا لوسائل إعلام محلية، فقد أحال النائب العام وزير الصحة إلى لجنة مختصة بمحاكمة الوزراء على خلفية اتهامات بالاستيلاء على المال العام من خلال عقود متعلقة بالعلاج بالخارج.

منتقدو الحكومة يقولون إن عليها أن تبدأ أولا بإغلاق ما يسمونه بـ"أبواب الهدر" في المصروفات الأخرى

ويحظى الكويتيون بنظام رعاية صحية مجاني ودعم كبير للعديد من المستلزمات الأساسية، فضلا عن مميزات السكن والقروض (دون فوائد) التي بإمكان العديد من المواطنين الاستفادة منها، علما بأن واردات النفط تمثل نحو 90 في المئة من الدخل القومي لدولة الكويت.

وحصلت الحكومة في يونيو الماضي على موافقة البرلمان على الخطة التي أعلنتها لإصلاح أوضاع الاقتصاد على المدى المتوسط، وعرفت بوثيقة الإصلاح الاقتصادي وتهدف إلى إصلاح الميزانية العامة وإعادة رسم دور الدولة في الاقتصاد وزيادة دور القطاع الخاص وتفعيل مشاركة المواطنين في تملك المشروعات العامة وإصلاح سوق العمل.

وقال ناصر النفيس، مدير مركز الجمان للاستشارات الاقتصادية لوسائل إعلامية، “إن الوثيقة إيجابية نظريا لكن صعوبة تقبلها عمليا من نواب الشعب الكويتي أن هناك هدرا في مواضيع أخرى مستحقة”. وأضاف “كيف توفر لي 150 مليون دينار من رفع الوقود الذي مس جيب كل مواطن وهناك 600 مليون ساكت عنها والأمر يتصاعد، هذا ليس معقولا والحكومة تناقض نفسها”.

واعتبر فؤاد عبدالرحمن الهدلق، الرئيس التنفيذي لشركة الفارابي للاستثمار، أن “المجلس يريد من الحكومة ترشيد صرف الأموال والسعي لخفض نفقاتها غير الضرورية قبل التوجه إلى المواطن لسد العجز في الميزانية العامة”.

وقال النفيس “منذ الحل (للبرلمان السابق) معروف أن المجلس القادم هو مجلس قوي وسوف يواجه الحكومة، ففي المسيرة التاريخية مصير هذا المجلس هو الحل للأسف الشديد، نتمنى ألا يتم ذلك، لكن حسب التجارب التاريخية ذلك وارد وسيقولون هيا للانتخابات الجديدة ثم يأتي مجلس قوي ثم انتخابات جديدة وهكذا نحن في دوامة”.

وقال مهند المسباح، نائب الرئيس التنفيذي في شركة مرابحات الاستثمارية، إنه “من المستحيل أن تمضي الحكومة قدما في التقشف وإذا أصرت الحكومة وتريد أن تواجه فهذا الأمر لن يحقق للكويت إلا الدمار”.

وأضاف المسباح “إذا لم تواكب الحكومة المجلس سيكون مصيرها الفشل وسوف يكون المجلس قادرا على أن يقود الشعب وأن يتحرك كما تحرك في الأيام التي حدث فيها إقصاء للبعض من المعارضين”. ويرى المسباح أن المجلس الجديد ينبغي ألا يركز على قضايا تفصيلية مثل قضية البنزين أو غيرها وإنما عليه أن يتجه لإصلاح الأساس المتمثل في عملية إصلاح سياسي واقتصادي شاملة.

ويرجح مراقبون أن مناقشة هذه القضايا سوف تدفع الحكومة على الأرجح إلى الموافقة على بعض مطالب المعارضة، في حين سوف تتصدى لمطالب أخرى، كما تمتلك الكويت متسعا ماليا لاعتماد عملية إصلاح طويلة الأجل؛ حتى إذا واصلت سحب الأموال من صندوق الثروة السيادية بمقدار 30 مليار دولار سنويا لمدة 10 سنوات، فسوف يبقى في الصندوق حوالي النصف.

بنت الكويت نموذجا اقتصاديا ممولا بالكامل من عائدات النفط والغاز الطبيعي لدعم القوة العاملة في البلاد، ولكن مع سلطة برلمانها، تمتلك الكويت أقل مرونة قياسا بأي دولة أخرى في المنطقة إذا ما أرادت التخلي عن هذا النموذج.

ويضيف المراقبون أن البرلمان لا يمكنه إيقاف كل تدابير الإصلاح والإجراءات الحكومية، إذا كان يقف في طريق ما يعتبره أمير الكويت من التدابير الحاسمة والإصلاحات اللازمة، يمكنه ببساطة حل البرلمان مرة أخري وقبل نهاية ولايته التي تمتد لأربع سنوات.

وفي الوقت الذي يبدو فيه عامل الوقت في صالح الكويت، تبدو آفاق الإصلاح طويل الأمد قاتمة، وسوف يقضي الكويتيون العقد المقبل في محاولة لمعرفة ما ينبغي اعتماده وتطبيقه.

6