برلمان عراقي خارج السياق "يحارب" الكحول في أوج معركة الموصل

انصراف مجلس النواب العراقي عن كل القضايا المصيرية المطروحة أمامه إلى إقرار قانون لحظر الكحول، جاء ليؤكّد للعراقيين خروج المجلس عن السياق وانفصاله عن الواقع، وتفرّغ الكتل الأغلبية فيه إلى خدمة المصالح الشخصية لقادتها والترويج لأوهامهم الأيديولوجية.
الاثنين 2016/10/24
من يمثل البرلمان إذا كان المواطن يدعو بسقوطه

بغداد - فاجأ البرلمان العراقي مجدّدا الرأي العام المحلّي بإقراره قانونا لحضر استيراد وتصنيع وترويج المشروبات الكحولية مثيرا عاصفة من ردود الفعل تراوحت بين الاستغراب والسخرية، جنبا إلى جنب التحذير الجاد من مثل تلك القوانين المرسخة للشرخ الاجتماعي عبر التجاوز على حقوق الأقليات والمكرّسة لأسلمة الدولة العراقية على الطريقة الإيرانية.

ومثّل توقيت إقرار القانون بالتزامن مع معركة الموصل ضد داعش والتي توصف بالمصيرية للبلد والمنطقة، أكبر مواطن الغرابة ودواعي السخرية من مجلس النواب الذي تشغل الأحزاب الشيعية غالبية مقاعده وتتحكّم في تحديد أجندات عمله، والقوانين الأولى بالنقاش، وقد رأت أنّ لقضية منع الكحول صفة الاستعجال على العشرات من القضايا والقوانين الأخرى المركونة على الرفوف رغم أن لها مساسا مباشرا بحياة المواطن وأمنه وباستقرار البلد والتعايش بين مكوّناته.

ويذكّر عراقيون بأن المجلس الذي أقرّ قانون حظر الكحول هو ذاته الذي استُخدم أداة لإحداث فراغ في أحد أهم المناصب الوزارية؛ وزارة الدفاع، قبل انطلاق معركة الموصل بأسابيع وذلك بالإصرار على استجواب الوزير خالد العبيدي وسحب الثقة منه رغم كثرة المناشدات بتأجيل القضية إلى ما بعد المعركة المذكورة.

كذلك يشهد العراق في هذه الفترة الحرجة أمنيا فراغا في وزارة الداخلية، بعد استقالة الوزير محمد سالم الغبان، وعدد من الوزارات الأخرى من بينها وزارة المالية بعد إقالة الوزير هوشيار زيباري أيضا عن طريق مجلس النواب نفسه.

وتتعمّق المفارقة حين يكون البرلمان أيضا عائقا أمام ملء الفراغات الوزارية، بالاعتراض على مقترحات رئيس الوزراء، إذ تمثّل الكتل البرلمانية المهيمنة على المجلس أطرافا سياسية متصارعة على الحقائب الوزارية.

وصوت البرلمان العراقي السبت بالأغلبية على قانون يحظر استيراد وتصنيع وبيع المشروبات الكحولية استجابة لمقترح من محمود الحسن النائب عن “ائتلاف دولة القانون” بقيادة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

ميسون الدملوجي: إقرار قانون حظر الكحول من قبل البرلمان علامة إفلاس

وتنشط في العراق العديد من الشركات المنتجة والمتاجرة بتلك المشروبات، في وقت تواجه فيه الدولة العراقية حالة أقرب إلى الإفلاس المالي، جرّاء الفساد المستشري، وبفعل تهاوي أسعار النفط، وارتفاع تكاليف الحرب على تنظيم داعش.

وترأس جلسة البرلمان أثناء التصويت على هذا القانون سليم الجبوري القيادي بالحزب الإسلامي ممثل جماعة الإخوان المسلمين في العراق، والذي يعتبر مدينا بالبقاء في منصبه للأحزاب الشيعية التي وقفت إلى جانبه تحت قبّة البرلمان أثناء خصومته مع وزير الدفاع السابق خالد العبيدي الذي اتهمه بالابتزاز لتحصيل مكاسب مادية من صفقات الوزارة المذكورة، قبل أن يستخدم كبار قادة تلك الأحزاب ذاتها لنفوذهم لإقفال الملف قضائيا في وقت قياسي ومنع محاسبة رئيس البرلمان أمام القضاء.

وجاء في المادة الرابعة عشرة من القانون أنه “يمنع استيراد وصناعة وبيع المشروبات الكحولية”. كما أقرّت عقوبة لمن يخالف هذا القانون بغرامة تصل إلى ما يعادل عشرين ألف دولار.

وصدرت أولى ردود الفعل المباشرة على ذلك التصويت عن رئيس كتلة الرافدين المسيحية يونادم كنا الذي قال في مؤتمر صحافي عقده في مبنى البرلمان إن الفقرة المتعلّقة بحظر الكحول “تتناقض مع مواد دستورية ومبادئ الديمقراطية التي تضمن حريات الأديان”، في إشارة إلى المادة الثانية من الدستور العراقي التي تنص على “الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما تضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين”. وقال إن “هذا القانون سيزيد من معدل البطالة ويكثر من تعاطي المخدرات”.

وينتشر على نطاق واسع في العراق مخدّر رخيص الثمن مصدره إيران يعرف محليا باسم “الكريستال” ويستهلكه حتى طلاب المدارس.

ومن جهته اعتبر النائب حيدر الملا أن القانون يشكل انتصارا للفكر “الداعشي”، في إشارة إلى “أحكام الشريعة” التي فرضها تنظيم داعش في مناطق سيطرته منذ عامين.

وقال الملا القيادي في ائتلاف العربية “في الوقت الذي تتضافر فيه جهود كل أبناء الشعب العراقي في الحرب ضد تنظيم داعش، ينبري فريق من الطيف الإسلامي السياسي في مجلس النواب لينتصر للفكر الداعشي في اجتثاث الآخر على معتقده وممارسة حرياته وشعائره”.

ومن جهتها، وصفت النائب ميسون الدملوجي عضو لجنة الثقافة والإعلام إقرار القانون بـ”الإفلاس”.

كما أثار الموضوع جدلا كبيرا على صفحات فيسبوك وتعليقات لا تخلو من التهكم والسخرية.

وكتب أحد المعلّقين عبر فيسبوك ساخرا “نعم إنه من أهم القوانين المفروض الالتفات إليها. فبعد القضاء على البطالة والفساد والإرهاب والطائفية والسمو بالمجتمع إلى أرقى درجات الجمهورية الأفلاطونية الفاضلة وجب سن هذا القانون لإتمام النعمة”.

وتساءل آخر “هل الخمر حرام والسرقة حلال”، في إشارة إلى تفاقم ظاهرة سرقة المال العام في العراق، وشمول الاتهامات بالسرقة نواب البرلمان أنفسهم.

ولم يستبعد نشطاء سياسيون أن يكون إقرار قانون حظر الكحول في هذا التوقيت بالذات مقصودا لصرف الأنظار عن معركة الموصل وتعقيداتها إلى قضايا هامشية. وقالوا إنّ مجلس النواب الحالي متخصص في التصويت على كل ما هو ضدّ المصلحة العليا.

وذهب البعض إلى حدّ التأكيد على أنّ المعركة شأن ثانوي لدى عدد من قادة الأحزاب الشيعية المستفيدين أصلا من حالة عدم الاستقرار في العراق، ومن يتخوّفون من حسم المعركة ضدّ داعش ما سيجعل الشارع يتفرّغ مجدّدا للتظاهر ضد الأوضاع المعيشية المتردية وللمطالبة بمحاسبة الفاسدين وصولا إلى المطالبة بتغيير النظام المسؤول عن تلك الأوضاع.

3