برلمان في اسطنبول

الاثنين 2014/12/29

ليس هذا عنوان فيلم كوميدي جديد للفنان محمد هنيدي، الذي قدم لنا من قبل “همّام في امستردام”، لكنه آخر تقاليع المسرحيات الهزلية التي ألفتها وأخرجتها جماعة الإخوان المسلمين، على مسرح فندق “تيتانيك” في اسطنبول خلال الأيام الماضية، حيث اجتمع ما يقرب من 30 نائبا سابقا في البرلمان المصري، من المنتمين للجماعة والمتعاطفين معها، بذريعة أنهم نواب منتخبون، وشنوا هجوما سياسيا جارفا على النظام الحاكم في مصر.

لكن فات هؤلاء الحالمين، الذين أدمنوا الحياة في العالم الافتراضي، مجموعة كبيرة من المعطيات، التي تؤكد أنهم لا يدركون الأشياء على طبيعتها، وإن أدركوها، لا يعرفون كيف يتعاملون معها، وإن عرفوا لا يجيدون تقدير التوقيتات أو الأماكن المناسبة، ولا حتى الأساليب المفترض اختيارها للوصول للأهداف من أقصر طريق ممكن.

من حيث المكان، وقعوا في خطأ بالغ الإثارة، حيث اختاروا فندق على اسم السفينة تيتانيك، التي غرقت في أبريل عام 1912 في شمال المحيط الأطلسي، بعد اصطدامها بجبل جليدي، وراح ضحيتها نحو 1500 شخص، ولم يعتبر أو يلتفت قائدها للإنذارات والتحذيرات التي تلقاها، بخصوص وجود مصاعب في الطريق الذي سوف يسلكه، وأدى تصميمه وعناده، إلى هذا الحادث المفجع في تاريخ البشرية، وهنا تبدو زاوية الشبه جلية بين الإخوان و”تيتانيك”، لذلك أرادت الجماعة تأكيد المفارقة دون أن تدري، فلو سمعت قياداتها التحذيرات والإنذارات، واستجابت للمناشدات، ونزلت إلى أرض الواقع، لما واجهت مصير “تيتانيك” المحزن.

من حيث الزمان، لم يدرك النواب السابقون أن الدنيا تغيرت، ومصر الصابرة والصامدة، على وشك الاستعداد لإجراء انتخابات واختيار برلمان جديد، هو الخطوة الأخيرة في خطة خارطة الطريق، التي رسمت المرحلة التالية لسقوط نظام الإخوان، وأن المرحلتين الحاسمتين اللتين سبقتا (الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية) مرتا بسلام، وأي تشويه من هذا النوع تقوم به الجماعة لن يكون مفيدا، بل سوف يعرضها لمزيد الأضرار، ويعزز القناعات أنها لا تزال تعيش خارج الزمن، ومصممة على ارتداء جلباب الماضي ومآسيه السياسية، ولا تريد تصحيح الأخطاء، وتؤكد أن من يغرق في مياه المحيط أو نهر النيل لن يعود للحياة أبدا.

كما أن البرلمان المزعوم الذى اجتمع عدد من أعضائه أخيرا في إسطنبول، جرى حله بقرار من المحكمة الدستورية عام 2013، وهي أعلى جهة قضائية في مصر، وتم الرضوخ له في حينه، وفشلت جهود الرئيس الإخواني الأسبق محمد مرسي في إعادته، وكان مجلس الشورى (الغرفة الثانية للبرلمان المصري قبل أن يتم إلغاؤه في الدستور الجديد) يقوم بمهمة التشريع، بدلا من مجلس الشعب، وارتضت الجماعة هذه الصيغة وتفاعلت معها وأصدرت حزمة من قوانينها، فلماذا عاد الحنين للمجلس (المنحل)؟ ببساطة لأن الجماعة تشبه التاجر الذي تخسر تجارته أموالا كثيرة، فيبحث في دفاتره القديمة، على أمل أن يجد ديونا بسيطة منسيّة له، عسى أن تخرجه من عثراته المادية.

من حيث الأجواء الخارجية، تصر الجماعة على تجاهل المتغيرات السياسية، وأن هناك واقعا جديدا يتشكل، تشير جميع ملامحه ومؤشراته الكثيرة أن الإخوان من الصعوبة أن يكونوا جزءا منه، بعد أن خسروا فرصتهم الحقيقية في الحكم، والعمل الحزبي برمته، وحتى الجهات التي كانت داعمة ومؤيدة بدأت تنفض نفسها بعيدا عن الجماعة، ومن لم يعلن عن ذلك في الوقت الراهن، سوف يعلنه في المستقبل القريب، لأن مكونات اللحظة لها حسابات، مختلفة عن تقديرات الإخوان، أنظر إلى التحسن التدريجي في العلاقات بين مصر، وكل من الولايات المتحدة وقطر، ولاحظ التغير الحاصل في تونس وانعكاساته على العلاقة مع القاهرة، ودقق في التحول الظاهر في غالبية المواقف الأوروبية، وراقب شكل العلاقات بين تركيا ومصر، ناهيك عن التحالفات الصاعدة بين القاهرة وكل من بيكين وموسكو.

الأجواء المواتية لصالح النظام المصري في الخارج، أصبحت عقبة عثرة، وتؤثر بالسلب على تصورات ومصالح الإخوان، بالتالي فانعقاد البرلمان في هذه الظروف يكشف للرأي العام وبالطبع للنخبة، عن فقر القراءة السياسية لدى الإخوان، وخواء العقل ووهن التفكير، وعدم القدرة عن إيجاد بدائل، تسمح بالتعامل مع الواقع بكل تعقيداته وتشابكاته، فأية جهة يمكن أن تتعاطف مع جماعة، تملك باقتدار كل مكونات الفشل المسبق، لذلك قدمت الجماعة أكبر خدمة لمصر، بجلسة البرلمان المزيف في “تيتانيك” باسطنبول، وأكدت أنها لا تستحق أن تكون ممثلة للشعب المصري العظيم، الذي فطن لأساليبها مبكرا، فقام بثورة شعبية، وأزاحها من على كرسي الحكم بما يشبه العملية الجراحية الخاطفة.

التطورات المحلية في الداخل، تسير في اتجاه بعيد عن طريق الإخوان، اتجاه لن تجدي معه، مسرحيات درامية ولا حتى كوميدية، على شكل برلمان إسطنبول، الذي جمع شتات الإخوان ومن لف لفهم، ونسيت الجماعة أنها بهذه الخطوة أرخت بظلال سلبية على فرص المشاركة في البرلمان المقبل، تحت أسماء مستعارة ولافتات حزبية خفية، ولو حصل مرشحوها المتنكرون على أي مقاعد، فلن تستطيع أن تفاخر بهم، وإذا وقعت في هذا الخطأ، الذي يتناسب مع طريقة تفكيرها الخاطئة والمليئة بالفجوات، سوف تؤكد أيضا أن قادة “تيتانيك الجديدة” يصرون على فضح تناقضاتهم بأنفسهم.

هذا النمط من التفكير، لم يعد يقلق أحدا في مصر، فحجم الاهتمام بتحركات الإخوان، في الخفاء والعلن، في الداخل والخارج، تراجع بصورة كبيرة، ومرت مسرحية إسطنبول الكوميدية، كغيرها من مسرحيات اللامعقول، التي أبدعت الجماعة في تأليفها وتمثيلها، ولم تجد من يتفاعل معها، ولو من باب الضحك أو الاستنكار.


كاتب مصري

8