برلين أمام تحديات عالم مضطرب من القرم إلى القدس

السبت 2014/03/01

“ألمانيا الكبرى لا يمكنها أن تكتفي بالتعليق على قضايا عالم يعيش حالة من التحول والتغير”هذه العبارة المفصلية من توقيع وزير الخارجية الألماني فرانك- فالتر شتاينماير الذي تسلم منصبه في 17 ديسمبر 2013 (سبق له وكان وزيرا للخارجية بين 2005 و2009) وهو ينتمي إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي (يسار وسط) في حكومة الوحدة برئاسة المستشارة الحديدية أنجيلا ميركل زعيمة الاتحاد الديمقراطي المسيحي.

في الأسابيع الأخيرة نراقب المنعطف في السياسة الخارجية الألمانية. بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي للأمن في نُسخته الخمسين، في ميونيخ أواخر يناير 2014، يفتتح الرئيس الألماني يواخيم غاوك المؤتمر ويؤكد أنه “يمكن استمرار الاعتماد بشكل أقوى على خبرات ألمانيا في تأمين حقوق الإنسان، ودولة سيادة القانون، وذلك ضمن الأطر التنظيمية المنبثقة عن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ومنظمة الأمم المتحدة”.

على الصعيد التطبيقي يبدو أن “اليقظة الألمانية” تعززت إثر أزمة الثقة مع واشنطن بعد كشف سنودن عن قضايا التجسس التي سممت الصلة الثنائية بين أوباما وميركل التي أخذت تعمل للرد على الإهانة عبر الدفع نحو “إقامة شبكة اتصالات مستقلة في أوروبا تحفظ المعطيات الشخصية للأوروبيين، وتتيح الاستقلالية أمام سيطرة عمالقة الإنترنت في الولايات المتحدة الأميركية”. وبالطبع سينعكس التباعد الأميركي- الألماني على مفاوضات الاتحاد الأوروبي وواشنطن بخصوص “اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي”. هكذا لن تكتفي برلين بالزعامة الاقتصادية لمجموعة اليورو والاتحاد الأوروبي، بل تتطلع إلى ترجمة دورها على صعيد سياسي مع طي صفحة وزير الخارجية السابق غيدو فسترفيلي. ومن الواضح أن الوزير شتاينماير مصمم على تغيير الصورة وينوي أن يترك بصماته كما فعل سلفه جوشكا فيشر (من حزب الخضر) الذي أنهى مفهوم الابتعاد العسكري الألماني عن شؤون العالم بعد الانخراط ضمن قوات حفظ السلام في البلقان وأفغانستان ومسارح أخرى اعتبارا من منتصف التسعينات.

شكلت الأزمة الأوكرانية التمرين التطبيقي الأول للوزير شتاينماير. من خلال الوفد الأوروبي الثلاثي (ألمانيا- فرنسا- بولونيا) الذي فاوض الرئيس الأوكراني المخلوع، أثبتت الدبلوماسية الألمانية قيادتها لدول أوروبا الـ28، خاصة إذا كانت الأزمات تقع في مجال مصالحها الحيوية. لكن أمام رغبة الأميركيين في ترك أوروبا تذهب إلى خط المواجهة وأمام تعنت بوتين في الاعتراف بالوضع الجديد في أوكرانيا، تجد برلين نفسها أمام لحظة صعبة إذ لا يمكن التعويل إلى الأبد على المظلة العسكرية الأميركية والأطلسية، وأن الدعوات الفرنسية المتكررة لإقامة أوروبا الدفاعية المستقلة يمكن أن تلقى صدى أفضل في برلين. وبالفعل عند انعقاد القمة الفرنسية- الألمانية في الإليزيه منذ عشرة أيام، عرضت ألمانيا استعدادها للإسهام في أمن أفريقيا، وهذا يشكل تخفيفا للعبء عن باريس المنغمسة في مالي وأفريقيا الوسطى، ويعزز من فرص بناء شراكة دفاعية أوروبية نتيجة دعم أكثرية ساحقة من البرلمان الألماني لتوجهات حكومة “التحالف الكبير” بين الحزبين الرئيسيين.

بعيدا عن هموم منطقة اليورو والتحدي الآتي من القرم في شرق أوروبا والإسهام في إدارة الأزمات في أفريقيا، شكلت زيارة ميركل إلى إسرائيل فرصة لإلقاء الضوء على السياسة الشرق أوسطية لألمانيا. من خلال عدم زيارة رام الله مقر السلطة الفلسطينية، أرادت ميركل التأكيد على الصلة الحميمة بين بلدها وإسرائيل ومحو كل ما علق من آثار الحقبة النازية. لكن لحظة فنية نادرة خلال المؤتمر الصحفي المشترك (بدا ظل إصبع نتانياهو وكأنه يرسم شاربا على وجه ميركل شبيها بشارب أدولف هتلر) استدعت التذكير بالماضي الأليم. لكن لغة الأرقام والوقائع تقول إن ألمانيا فعلت الكثير للتعويض على “المحرقة اليهودية” لأنه (منذ أيام ألمانيا الاتحادية) كانت ألمانيا البلد الثاني في العالم من ناحية المساعدة المالية لإسرائيل، وفي المحافل الدولية وقفت ألمانيا بقوة إلى جانب إسرائيل والاكتفاء بدعم محدود للفلسطينيين رغم حجم علاقاتها الكبير مع العالم العربي (بلغ حجم التبادل التجاري بين ألمانيا والدول العربية حوالي 38 مليار يورو خلال عام 2012، مسجلا ارتفاعا بنسبة تصل إلى 18 ٪ عن عام 2011، منها حوالي 13 مليار يورو على شكل بضائع عربية صُدّرت إلى ألمانيا).

بيد أن نقاط التباين المحدودة بين إسرائيل وألمانيا حيال قضية المستوطنات في الأراضي الفلسطينية والملف النووي الإيراني، تدلل على بدايات تذمر ألماني، وسعي نحو صياغة دور أكثر فعالية في الشرق الأوسط حتى لا يبقى الاتحاد الأوروبي مجرد مموّل لمسار سلمي مترنح دون لعب دور سياسي مؤثر. إلا أن حماس ميركل لاقتراح الاعتراف بيهودية إسرائيل يبرهن على أن ألمانيا المستعدة لإغضاب نتانياهو عندما يتصل الأمر بمصالحها مع إيران، لا تأبه للموقف العربي حول المسألة الفلسطينية.

بالنسبة للموقف من النزاع السوري، بدت ألمانيا أكثر حزما إزاء التباطؤ في تسليم السلاح الكيميائي، وكذلك في تدهور الوضع الإنساني، ولكن “الاتصال الأمني” مع النظام السوري لم يتبدل منذ تفعيله ربيع 2013.

بعد حوالي ستين سنة على هزيمتها النكراء وبعد ربع قرن على إعادة توحيدها، ها هي ألمانيا تعود بقوة إلى المسرح العالمي من موقع القيادة الأوروبية كرابع قوة اقتصادية عالمية. عبر تاريخها المضطرب والغني على حد سواء، بلورت ألمانيا في القرن الماضي علم الجيوبوليتيك ومفهوم المجال الحيوي (نحو شرق ووسط أوروبا) كي تتكرس قوة برية كبرى في خدمة النفوذ والتوسع، وفي حقبتنا الحالية في زمن الفوضى الاستراتيجية نحو تثبيت العالم المتعدد الأقطاب، وبعد سقوط جدار برلين وكسوف الأحادية الأميركية، تعد ألمانيا من دعاة استخدام القوة الناعمة في سبيل ترويج سياستها الخارجية.

في كل الميادين تقريبا، تتخطى برلين ما بعد النازية وتتحرر من القيود التي أبطأت إكمال عناصر قوتها (لا يزال الانحطاط الديمغرافي وعدم العضوية الكاملة في مجلس الأمن الدولي وعدم الاستثمار الكافي في علم الفضاء من عناصر الضعف) لكي تبلور عقيدة دبلوماسية لا تعتمد على القوة الفظة كي لا تذكر ببعض صفحات تاريخها، وتركز على القوة الناعمة الثقافية والدبلوماسية ولقوة الردع الاقتصادية. وما يعني برلين ميزانها التجاري وتفوقها الاقتصادي في المقام الأول.

عبر هذا النمط الجديد في السعي إلى الشراكة في القيادة العالمية، تحاول ألمانيا ميركل- شتاينماير تدعيم “العولمة الثانية” بعد سقوط “العولمة الأولى” في 1914. لكن أمام بوتين المندفع، وأوباما المتردد، وكرة ثلج الأزمات المتدحرجة من القرم إلى بلاد الشام، ليس هناك من منظومات أمن إقليمي لحماية السلام المترنح.


أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك- باريس

9