برلين ترقص على وقع التاريخ

الثلاثاء 2013/09/03
أمسيات راقصة مع التانغو والسالسا والبوب

برلين - صمدت قاعة "كليرخنس بال هاوس" في وجه حربين عالميتين وجواسيس شيوعيين وفيلم لكوينتن تارانيتنيو لتصبح بعد مئة عام على تشييدها قاعة رقص أسطورية في أوساط السهر في برلين.

عند حلول الليل وأمام واجهتها القديمة، تنتظر سيدات مسنات وقد اعتمرن تاجا وانتعلن أحذية بكعوب عالية دورهن للدخول إلى جانب شباب محبين للسهر يرتدون سروايل جينز ضيقة.

وتكتب ماريون كييسوف في كتابها المكرس لهذه القاعة وقد نشر بمناسبة مرور مئة عام على تأسيسها وهو بعنوان "برلين ترقص في كليرخنس بال هاوس"، "كل نظام سياسي ترك بصماته، لقد رقص الجميع على حلبة الرقص التاريخية هذه في عهد الأباطرة وفي حكم المستشارين أو رؤساء مجلس (شيوعي) المدينة أكانت برلين مقسمة أم موحدة".

في مدينة هزتها اضطرابات كثيرة وتجددت صورتها باستمرار، تشكل استمرارية هذا المكان حدثا استثنائيا على ما تؤكد الكاتبة الشغوفة بالمكان الذي مشطته من القبو إلى العلية بحثا عن رسائل حب وصور قديمة وحتى على خرائط عسكرية خلفها الجنود خلال الحرب الأخيرة، لتروي بذلك قصة المكان الفريدة هذه.

ففي مطلع القرن العشرين كانت برلين تضم حوالي 900 من هذه القاعات. الكثير منها لم يصمد أمام القصف، وفي السبعينات والثمانينات هجر محبو السهر هذه الأمكنة مفضلين عليها علب الليل ومن ثم النوادي التي انتشرت في مناطق صناعية مهملة في المدينة. وحدها ثلاث قاعات رقص من الحقبة الأمبراطورية لا تزال قائمة في وسط برلين إلا أن "كليرخنس" هي الوحيدة التي تقدم أمسيات راقصة بشكل شبه يومي مع رقص التانغو والسالسا والبوب ودانس ميوزيك وهي تعتبر الأكثر محافظة على أجوائها الأصلية.

وقد فتحت الصالة أبوابها في 13 سبتمبر 1913 تحت اسم "بولر" وهو مالكها الأول قبل أن تتخذ اسم "كليرخنس" وهو لقب زوجته كلارا، وهي ابنة مزارع بروسي، كانت من أول سيدات برلين اللواتي حصلن على إجازة سوق. وقد أثرت الحرب العالمية الأولى سلبا على الأعمال، فقررت كلارا أن تؤجر القاعة لمبارزات بالسيف التي رغم حظرها كانت تلقى رواجا كبيرا في صفوف الطلاب. وبموازاة ذلك كانت تنظم حفلات راقصة لأرامل الحرب.

"كليرخنس" هي الأكثر محافظة على أجوائها الأصلية

في ظل الرايخ الثالث حظرت الرقصات "غير الجرمانية" مثل التانغو إلا أن السهرات تواصلت وكانت تجذب أحيانا كبار المسؤولين النازيين. لكن في الحرب العالمية الثانية، منع وزير الدعاية النازية جوزف غوبلز الحفلات الراقصة فأغلقت القاعة أبوابها العام 1944.

القاعة الواقعة في برلين الشرقية أصبحت في ظل عهد ألمانيا الشرقية مكانا سيئ السمعة معروفا حتى في ألمانيا الغربية بتقديم الجعة بخسة الأسعار وبـ"النساء الرخيصات" وكان يستقطب الجنود والعمال والممثلين التجاريين.

وتحولت القاعة أيضا إلى وكر لمخبري الشتاسي الشرطة السرية الألمانية الشرقية. وفي العام 1967 سلمت كلارا القاعة إلى زوجة ابنها الفريده فولف التي ستتولى إدارتها حتى سقوط جدار برلين العام 1989.

في تلك الفترة بدأ الحي يشهد حركة مع افتتاح متاجر وقاعات فنية، لكن كليرخنس التي اشتراها العام 2005 رجلا المسرح دافيد ريغيهر وكريستشان شولتس، لم تغيير نشاطها .

وفي خطوة جديدة أعيد فتح "قاعة المرايا" المقفلة منذ الحرب العالمية الثانية. المرايا التي فقدت كثيرا من بريقها تزين جدرانا بالية وتحيط بها إطارات سميكة مذهبة.

أصالة المكان تجذب السينمائيين فقد صور كوينتن تارانتينو مشاهد فيها في إطار فيلم "انغلرويس باستردز" كما أنه شكل إطارا لبعض المشاهد في فيلم "فالكيري" مع توم كروز.

اولريخ لينسر (58 عاما)، أصله من شمال ألمانيا وهو من رواد القاعة، يأتي إليها مع زوجته كلما زارا برلين حيث يقيم نجلهما، يؤكد أن "الأجواء عالمية هنا، فنسمع الأسبانية والإنكليزية وثمة أيضا خليط بين الأجيال".

وتقول لوتا فيغل (39 عاما) "نشعر وكأننا في فيلم "هاري بوتر" إذ لدينا الانطباع بأن الأشباح تضحك وترقص الفالس معنا. أحب كثيرا روح المكان، إنه جزء من تقليد برلين الذي قاوم الزمن".

20