برنابي روجرسون يبحث في جذور الخلاف السني الشيعي

إن الإلمام بمسائل التاريخ العربي والإسلامي وأحداثه، ليس بالأمر اليسير، وذلك لما يكتنفه هذا التاريخ من عدم إجتماع على رأي فيه أو حوله، وما يزيد الأمر صعوبة هو كثرة الفرق والمذاهب والأحزاب، وتشعب الآراء والمواقف وأحيانا قيام الحروب حول مشهد تاريخي معين، كل هذا يجعل من الاعتماد على مصدر تاريخي واحد أمرا مشكوكا فيه.
الخميس 2015/09/03
المؤلف يعتبر أن كلا التراثين يمثلان عقيدة واحدة أو دينا واحدا

ما يجعلنا على مسافة من الاطلاع على تاريخنا وقسماته، هو ما تحتويه كتب التاريخ من أرقام وتواريخ وأسماء بكثرة، ما يعتري ذهن القارئ من التشويش والابتعاد عن الفكرة، إضافة إلى إيراد تفاصيل غير مهمة أحيانا قد لا تشدّ القارئ العادي غير المتخصص.

لكن تجد المؤلف “برنابي روجرسون” في كتابه “ورثة محمد” والذي صدر مؤخرا عن “مكتبة الأسرة”، يلجأ في عرضه لأكثر مسائل التاريخ الإسلامي أهمية ألا وهي “جذور الخلاف السني الشيعي” إلى أسلوب أقرب إلى الرواية، وذلك تماشيا مع ميلنا العام في استقبال التاريخ، معتمدا على ذكر الحوادث والمواقف بالتاريخ الميلادي دون الهجري، حتى تكون أقرب إلى التاريخ العام، وبالرغم من عدم ذكر المؤلف للمصادر في الحواشي والتي عادة ما تكون مليئة بالتواريخ والمراجعات والأسماء كباقي كتب التاريخ، إلا أن جل ما يذكره -عدا تحليله- نستطيع أن نجده في أمهات الكتب “السيرة الهشامية، تاريخ الطبري، الطبقات، إلخ…”، وما ذلك إلا تبسيط من قبل المؤلف.

بالنسبة إلى محور الكتاب وموضوع بحثه “جذور الخلاف السني الشيعي”، ظهر المؤلف محايدا غير متحيز لأحد الأطراف، محترما كل الروايات، “لذا فقد كان هدفي هو احترام كلتا الروايتين (التراثين: السني والشيعي)، وأن أجلس لأكون خياطا وأرتق قطعتين من القماش لأجعل منهما قطعة واحدة مرتوقة، فمن الممكن أن يكون كلا التراثين صحيحا”. متسائلا بعد هذا، بأن كلا التراثين هما في الحقيقة يمثلان عقيدة واحدة أو دينا واحدا، ولا يدري ما الذي جعلهما منفصلين؟ موكلا إلى نفسه مهمة الإجابة عن هذا التساؤل.

لذا ترى المؤلف لا يعير من خلال عرضه وتحليله أية أهمية للفروق الدينية بين الطرفين، فهو يجد أنها تكاد تكون معدومة أحيانا، مثلا، جل العبادات من “صوم وصلاة وحج” وما يقابلها من زيارات للقبور والصالحين متشابهة بين الطرفين، حتى أنه يجد ما حصل من تناقل للروايات من موت للنبي محمد “ص” بأنه مات في نحر عائشة أو على كتف علي لا تشكل فارقا كبيرا، لذا لا قيمة لهذا كله من أن تكون سببا لهذا الخلاف، وأن هناك أسبابا أخرى سببت هذا الصدع، محاولا أن يلقي الضوء على الأسباب السياسية.

قد يتخلل ذهن القارئ الشك، بسبب أن مؤلف كتاب “ورثة محمد” ليس بعربي، خاصة وأن المؤلف قد أسهب في تحليله لشخصية علي بن أبي طالب ملقبا إياه بالصحابي الأول في الكتاب، ومركزا أشد التركيز على دور السيدة عائشة بنت أبي بكر زوجة النبي “ص” في هذا الخلاف، ولكنه في الوقت نفسه لا يقلل من أهمية باقي الصحابة فتراه عندما يتحدث عن الخليفة عمر بن الخطاب يفرد له فصلا كاملا يوقره فيه ويبدي له كل الاحترام ويؤكد أنه مؤسس الدولة الإسلامية بحق وأنه رجل دولة لم ير التاريخ مثيلا له، وكذا الأمر عندما يكون الكلام عن الخليفة أبي بكر في الفصل المخصص له من علمه وصدقه وإخلاصه للرسول، وعلى هذا المنوال يكون الكلام في تحليله لشخصيات أخرى خالد بن الوليد، عمرو بن العاص، الحسن، الحسين، معاوية، وغيرهم ممن يرد ذكرهم، فهو لا يعطي أحكاما اعتباطية وإنما منهجه التحليل وعرض صفات الشخصية في ذلك، لذا ومن أجل ذلك كله ارتأت “مكتبة الأسرة” أن يرافق القارئ في هذه الرحلة التاريخية -من وفاة النبي “ص” وحتى استلام معاوية للحكم- الأستاذ عبد المعطي محمد بيومي، معلقا ومصححا في الهوامش من أجل التنبيه على ما قد يقع عليه المؤلف من أخطاء في ذكر الأحداث وخاصة الروايات الضعيفة، وقد أعقبت فصول هذا الكتاب تعليقات وشروح ونصوص من كتب التراث لمن يريد الرجوع إليها والاستزادة.

إن التعرف على التاريخ لهو أمر مهم، ويشكل أحد أهم الفوارق بيننا وبين المثقف الغربي، حيث معلوماتنا عن التاريخ ضئيلة وقصصية وغير مدعمة بالأدلة، وبالرغم من توافر التكنولوجيا ومحركات البحث السريعة إلا أنها تعطينا معلومات تاريخية غير دقيقة ومن دون أدنى استقصاء عنها، أما المثقف الغربي فأهم ميزاته والتي ساهمت في نهضته أنه كان على دراية بكامل تاريخه وإلا ما كان له القدرة على الانقلاب والنهضة.

15