برنار فريز: فنان لا يؤمن بالتطور رغم تجديده للغة التجريدية

برنار فريز يقول إن أعماله المعروضة تدل دلالة واضحة على مساره الفني المخصوص، فهو لا يؤمن بالتطور، وما زال يهتم بالأشياء نفسها منذ بداياته.
الاثنين 2019/07/01
لوحات عامرة بعناصر متعددة

في إطار الاحتفاء بتجارب الفنانين الفرنسيين منذ 2010، ينظم مركز بومبيدو بباريس معرضا لبرنار فريز، الفنان الذي تتراوح أعماله بين التصويرية والتجريدية، بين الريدي ميد والكولاج، يمارس فنّه بحرية تامة لا يتقيد بمدرسة، ولا يؤمن بتطور.

يعتبر برنار فريز من الوجوه البارزة في الساحة الفنية الفرنسية خلال السنوات الأربعين الأخيرة. ورغم أن أعماله ساهمت في تجديد اللغة التجريدية بشكل لافت، فهو لا يأخذ المسألة بجد، بل إنه دائم السخرية من كل شيء. حسْبُه أن يُعدّد التجارب، ويُنوّع أساليبه لا يقرّ له قرار، ولا يثبت على حال حتى من جهة الكشف عن تكوينه وتاريخ ميلاده ومسقط رأسه.

والأرجح أنه من مواليد 1954، تخرج في المعهد الأعلى للفنون بإيكس أن بروفانس، ثم في المعهد الأعلى للفنون بمونبيليي، قبل أن يستقر في باريس حيث نظم أول معرض خاص بغاليري لوسيان دوران.

وبرز اسمه في السبعينات من خلال لوحات كان يرسمها حسب مبدأ يسميه all over، ويقوم على تغطية شاملة لكافة فضاء اللوحة، متمثلا مقولة موريس دوني (1870-1943) “اللوحة هي بالأساس مساحة مسطحة مغطاة بألوان مجمَّعة بطريقة ما”.

وكان لا يستعمل الألوان بل يكتفي بجمع قشور الدهن، أي تلك الطبقة الجافة المترسبة مما يسيل على جوانب صفائح دهن لم يُحكَم غلقُها بعد الاستعمال، فيبسطها على القماشة كيفما اتفق، كأن يعمد مثلا إلى استعمال فرشة عرضها عشرون سنتيمترا يمررها على مساحة القماشة يمينا ويسارا، وعلوّا ونزولا، في عملية واحدة حتى نفاد الصبغ، ثم يعود لاحقا لدَهن ما بقي شاغرا بين خطوط الفرشاة، ما يجعل اللوحة عامرة بعناصر متعددة، تتنافر أو تتكامل مع بعضها بعضا.

انتقل برنار فريز في الثمانينات إلى رسم أشياء الحياة اليومية في شكل طبيعة ميتة، قبل أن يهجر التصويرية وينصرف إلى تجريدية يُخضعها إلى عدة عمليات، فيَنتج عن مسارات تغطية اللوحة وآلية حركة الرسام غيابٌ واضح للذاتية والأحاسيس، ويغدو الفنان أقربَ إلى عامل ينجِز ما يُطلب منه. وهو ما لا ينكره فريز، حيث يعترف بأنه يعهد أحيانا إلى بعض مساعديه كي يواصلوا ما بدأه حسبما يمليه عليهم من مواصفات.

ولكن أيا ما يكن التخطيط، فأعماله لا تعدم انعطافات وصُدفا، فالشرط عنده أن يخلق نوعا من التوتر بين تنفيذ برنامج ما وبين ما يتولد فجأة أثناء الممارسة.

وقد درج فريز على إنجاز أعماله وفق سلاسل، كمتتالية اللفة (1993) والمتتالية الآلية (1996) ومتتالية الأحد عشر (2007)، يبتكر في كل واحدة منها أنماطا جديدة لتغطية اللوحة، كالرسم المسترسل حتى نضوبِ الدهن على الفرشة، مثلما يبتكر وسائل جديدة وغريبة لمواصلة عمله، كاستعمال عُصيّة متعدد الفرش، أو أحد جوانب الفرشة وحتى مقبضها، وما إلى ذلك من تنويعات، وقد أحصت الناقدة باتريسيا فالغيير ما يقارب مئة وثمانين صنفا من هذه العمليات التي يشكل بها فريز لوحاته.

وفي حديث معه، اعترف فريز بأنه في بداية مسيرته كان يعمل لكسب عيشه، ويرسم أيام الأحد، فيقوم بعمل شبيه بما يقوم به عامل يدوي، أي أشياء بسيطة، واضحة، ومنتظمة.

أيا ما يكن التخطيط، فأعماله لا تعدم انعطافات وصُدفا، فالشرط عنده أن يخلق نوعا من التوتر بين تنفيذ برنامج ما وبين ما يتولد فجأة أثناء الممارسة

كان يرسم خطوطا بفرش متعددة الألوان خلال سنة كاملة، حتى يحصل على لوحات تقل فيها الألوان تدريجيا، للوصول إلى اللون الواحد، فهو يعتقد أن كل عمل يمّحي ليصبح ذا لون واحد إذا تأملناه من مسافة ما، وأن ما يقترحه ليس مجرد صورة، بل هو مشكلٌ يُدعى المشاهد إلى إنعام النظر فيه ومحاولة حلّه.

استعمل فريز الزيت في البداية، ثم انتقل إلى الأصباغ الصناعية، ثم الراتينَج (وهي مادّة عضويّة صمْغيّة) تعلّم استعمالها من أصدقاء مُتخصّصين في صيانة الآثار القديمة وتدعيمها، حتى تكون أعماله أكثر تماسكا، ثم توقّف عن الرسم مدة لأنه لم يلمس فيها العلاقة التي تصله بالواقع اليومي.

ومع ظهور المستحدثات التقنية، عاد يرسم من داخل الواقع الجديد مع الحفاظ على انسجام أعماله مع ما سبق، سعيا لإيجاد موقف يتنزل في عصره ولا ينقطع تماما مع تاريخ الفن، في وقت كان فيه معظم الفنانين قد هجروا الرسم واختاروا الحضور الإعلامي، والعلامة المميزة بطريقة أشبه بالإشهار التجاري، فإيف كلاين مثلا اعتنق اللون الأزرق، ورايمان اللون الأبيض.

وعندما نتأمل لوحاته الأربعين المقترحة في معرض يحتضنه حاليا مركز بومبيدو الباريسي للفنان الفرنسي حسب ستّ ثيمات تعكس عناوينها ميله إلى الطرافة والسخرية (بلا صواب، بلا جهد، بمنظومة، بغير منظومة، بتمكُّن، بلا توقف)، يتبيّن لنا أن فريز لا يسعى إلى تطوير تجربته، فكل أعماله تقوم على المبادئ نفسها، والتقنيات ذاتها، وتطرح الصعوبات والأسئلة عينها، وإن كانت كل لوحة تطرح تلك الأسئلة من زوايا مختلفة، بل إن كل أثر يبدي وجها من وجوه تلك المفارقات.

يقول برنار فريز “الأعمال المعروضة تدل دلالة واضحة على مساري الفني المخصوص، أنا لا أؤمن بالتطور، ما زلت أهتم بالأشياء نفسها منذ بداياتي.. قد يختلف الشكل، ولكن المضمون يبقى هو نفسه”.

Thumbnail
16