برنامج بوتفليقة: قميص عثمان بين أجنحة الصراع على السلطة

تتواصل النيران الصديقة بين حلقات السلطة في الجزائر، فإلى جانب الخطاب الذي تروّج له الحكومة الجديدة حول إخلالات الحكومة الراحلة في تسيير المرحلة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2014، تتكفل التسريبات بالجزء الباقي من المعركة حيث يستمر سرد تجاوزات لوبيات رجال المال والأعمال تجاه المال العام.
الأحد 2017/07/09
توازنات دقيقة أمام رئيس الوزراء الجديد

الجزائر - تستمر دوائر إعلامية محلية في نشر ما أسمته بـ”خفايا وأسرار الأنشطة التجارية والاقتصادية المشبوهة، لبعض رجال المال والأعمال المحسوبين إلى وقت قريب على السلطة، ومسؤولين كبار في الدولة حيث كانوا يشكلون تحالفا بين المال والسياسة للاستحواذ على مقدرات الاقتصاد، رغم ظروف الأزمة الاقتصادية وسياسة التقشف المطبقة على الجزائريين منذ 2015.

وكان ملف رجل أعمال مقرب من السلطة، آخر ما أثير في التسريبات التي تحولت إلى ما يشبه “أوراق بنما”، قياسا بتسلسل عرض الملفات والشخصيات المتداولة بالترتيب، حيث تحدثت عن تجاوزات واستعمال نفوذ في تحويل أموال بالعملة الصعبة والاستحواذ على صفقات حكومية.

وأورد موقع “ألجيري بار” الناطق بالفرنسية والمملوك للإعلامي عبدو سمار، اسم مقرب من السلطة الجزائرية أكد الموقع أنه وظف نفوذه في الاستحواذ على صفقات لمجمّع تحويل وإنتاج الحليب.

ويؤكد الموقع أنه بعدما رست الصفقة المعلنة في الثلاثي الأخير من العام 2015 على متعامل فرنسي لتزويد المجمّع بمسحوق الحليب، بغلاف مالي قدر بنحو 3600 دولار للطن الواحد استحوذ المتعامل المذكور على الصفقة لقاء 6300 دولار للطن الواحد.

وتذكر مصادر اقتصادية أن الجزائر تستورد نحو 500 ألف طن من مسحوق الحليب، وهو ما يعادل ملياري دولار من مسحوق الحليب الموجه للتحويل والاستهلاك بأسعار مدعمة.

وتعد فرنسا الممول الأساسي للسوق الجزائرية قبل أن يدخل على الخط متعاملون محليون يحظون بدعم جهات حكومية.

وجاء الكشف عن شخصية المقرب من السلطة الذي يواجه اتهامات بالضلوع في الفساد ليمهّد الطريق نحو كشف المزيد من الوثائق والمستندات، بغية إدانة مؤسسات قريبة من دوائر الحكم ومن بينها مؤسسة اقتصادية نافذة كانت إلى غاية الانتخابات الأخيرة بمثابة الذراع المالية للسلطة.

وبقدر ما ترك تململ رئيس الوزراء الجديد عبد المجيد تبون ضد تغول المال السياسي وتغلغله في مؤسسات ومفاصل الدولة ارتياحا لدى الرأي العام المحلي، بقدر ما أثار الاستفهام حول مصدر القرار في البلاد وآليات إدارة الشأن العام في ظل ترويج الحكومات المتعاقبة لمبدأ واحد هو تنفيذ برنامج الرئيس بوتفليقة.

فبداية من بن فليس وأويحيى وبلخادم وسلال وأخيرا تبون، كل رؤساء الحكومات والوزراء خاطبوا الجزائريين بتطبيق برنامج رئيس الجمهورية، لكن النيران الصديقة المشتعلة بين حلقات السلطة أثبتت هلامية البرنامج وحوّلته إلى قميص عثمان، فكل هؤلاء زعموا تنفيذه وكلهم تبادلوا التهم حول المآلات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي انتهى إليها البلد بعد 18 عاما من حكم الرئيس بوتفليقة.

مراقبون يرجحون أن يكون الحراك الدائر في هرم السلطة حاليا من صنف تجاذبات مماثلة شهدتها الجزائر في السنوات القليلة الماضية وصعدت بموجبها أجنحة فيما عاشت أخرى سقوطا كبيرا

ومنذ 2012 أدار عبدالمالك سلال خمس حكومات متعاقبة باسم برنامج الرئيس بوتفليقة، وباسم نفس البرنامج تغوّل المال السياسي وتحوّل إلى لاعب أساسي في مؤسسات وأجندة الدولة، وباسم نفس البرنامج أيضا دعا رئيس الوزراء الجديد أمام نواب البرلمان الجديد إلى الفصل بين المال والسياسة، وهو يعلم أن الكثير من النواب حازوا على مناصبهم في إطار التحالف المالي والسياسي.

ومع تشجيع زعيمة اليسار لويزة حنون للنهج الحكومي الجديد ودعوتها لتكريس سياسة “من أين لك هذا” ومحاربة الفساد المالي والسياسي في مؤسسات الدولة، أبدت قوى سياسية أخرى تحفظها على ما يدور في هرم السلطة، بسبب ما أسماه حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بـ”التناقض المريب بين دوائر السلطة حول برنامج سياسي تحوّل بمرور الوقت إلى ظاهرة زئبقية لا يمكن ضبطها على وضع معين، إلا وفق أمزجة الحلقات المحيطة بالسلطة”.

وتزداد النيران الصديقة حدة مع التسريبات المتواترة حول ضلوع الجناح السياسي والمالي الذي أدار البلاد منذ انتخابات الرئاسة في 2014، حيث مكنت تقنية “سجيلكوم” من الاطّلاع على هوية الناشطين في القطاع التجاري والاقتصادي، وهو ما أفضى إلى كشف متواتر لملفات رجال وعائلات رجالات السلطة المرتبطين بالحكومة السابقة.

وتحدثت مصادر إعلامية وصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي عن ضلوع وجوه وشخصيات بارزة في ملفات فساد، وتطرقت لوزير كان يمسك حقيبة الصناعة والمناجم إضافة إلى رموز كبار في حكومة سلال وعدد من رجال المال والأعمال، الأمر الذي قوّى فرضية تصفية الحسابات السياسية بين زمر السلطة، وتوظيف ورقة الفساد المالي والسياسي لترتيب المشهد الجديد في البلاد.

وكان رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحيى، قد دافع عن أحد وزرائه القدامى مما يتعرض له من اتهامات وصفها بـ “الباطلة والمبيّتة”، وذلك في ردّه على دعوة رئيس حركة مجتمع السلم “حمس” عبدالرزاق مقري الداعية للتحقيق مع الأسماء والوجوه المتداولة بقوة في عدد من وسائل الإعلام والصفحات الافتراضية.

وربط موقع “ألجيري بار” بين رؤساء مؤسسات اقتصادية كبيرة وبين أفراد من عائلة رئيس الوزراء السابق سلال وشخصيات هامة، الأمر الذي يرشح “أوراق بنما الجزائرية” لأن تتحول إلى كرة ثلج ستكبر وتتضخم إلى مستويات كبيرة، قبل أن تكشف للرأي العام خلفيات وملابسات التطاحن بين زمر السلطة.

ولم يستبعد مراقبون أن يكون الحراك الدائر في هرم السلطة من صنف تجاذبات مماثلة شهدتها البلاد في سنوات ماضية صعدت بموجبها زمر وسقطت أخرى، حتى أن حراك السنوات الأخيرة كان أشد وأعمق، نظرا لاتصاله منذ 2013 بتقويض نفوذ الاستخبارات مقابل صعود لافت لجناح المال السياسي بقيادة رجل الأعمال.

كما لا يستبعد أيضا أن يكون ما يوصف بـ”الهجوم المعاكس” من قبيل إعادة التوازن داخل حلقات السلطة وتقويض نفوذ المال السياسي تحسبا لمرحلة ما بعد الرئيس بوتفليقة.

2