برنامج "بيت الكل" كوكتيل عربي مشترك يتحدى سوق الإعلام بلا هوية واضحة

نجاح البرنامج يتطلب تقديم أفكار مختلفة عما تبثه وسائل الإعلام العربية الأخرى
الثلاثاء 2021/04/20
البرنامج يشكل اختباراً لإمكانية العودة مجدداً للبث المشترك

يعد “بيت الكل” أول برنامج تلفزيوني عربي مشترك بين مصر والأردن والعراق وفلسطين، يهدف إلى تقديم رسالة إعلامية تحمل رؤى الدول الأربع، لكنه أمام معضلة صعوبة جذب الفئات الشبابية التي لا تقتنع غالبيتها بالرسائل التي تقدمها التلفزيونات الرسمية.

القاهرة - تحول التقارب بين مصر والأردن والعراق وفلسطين إلى فرصة لتقديم برنامج أسبوعي تتشارك في بثه الدول الأربع على القنوات الرسمية، في محاولة توحي بالتطور الرمزي بينها من خلال نافذة إعلامية واحدة، فيما يظل نجاح التجربة رهنا بقدرتها على استقطاب
الجمهور.

وانطلق برنامج “بيت الكل” مساء الجمعة متحدياً جملة من المتغيرات على الساحة الإعلامية العربية، لأن الجمهور أصبح بإمكانه الاطلاع على ثقافات الدول الأخرى من خلال الأقمار الصناعية المكتظة بالمئات من القنوات في مجالات مختلفة، في وقت تعاني فيه التلفزيونات الحكومية من أزمة عزوف المشاهدين عنها، ما يتطلب جهداً مضاعفا لوصول الرسالة الإعلامية إلى الجمهور المستهدف.

وقالت الهيئة الوطنية للإعلام وهي الجهة المشرفة على إدارة التلفزيون المصري إن البرنامج يهدف إلى تقديم رسالة إعلامية تحمل رؤى الدول العربية المشاركة تجاه كافة القضايا، ويتضمن العديد من الفقرات المتنوعة المصحوبة بتقارير ميدانية من الدول الأربع المشاركة تمتزج فيها عناصر الجدية والإبهار والمتعة والترفيه.

ويعد “بيت الكل” أول برنامج تلفزيوني عربي مشترك بين الدول الأربع، بعد أن اندثر التعاون العربي الإعلامي المشترك بفعل عوامل سياسية وتكنولوجية، وجرى تدشين فضائيات لكل دولة تعبر عن تصوراتها وتدافع عن مواقفها.

ويبث البرنامج في توقيت واحد، مساء كل يوم جمعة، وتقدمه مذيعات تمثلن كل دولة، وهن الإعلامية شافكي المنيري من مصر، ولميس عبدالكريم من العراق، وكاثي فراج من الأردن، وضحى الشامي من فلسطين.

عصام الأمير: نجاح البرنامج من عدمه يتوقف على القضية التي يحملها

وتبرهن استضافة البرنامج في أولى حلقاته للفنان المصري أحمد عز، وغياب العنصر الرجالي عن تقديم البرنامج، على أنه يركز على جوانب ترفيهية تشكل عنصراً جاذباً قياسا للرسائل السياسية والتي سوف تكون حاضرة في بعض فقرات البرنامج.

ويتفق خبراء إعلام على أهمية التجربة وما تحققه من عوامل معنوية قد تساهم في استعادة روح التقارب العربي في وقت لعبت فيه وسائل إعلام عربية أدوراً سلبية تسببت في زيادة الهوّة بين الشعوب. لكن يقول هؤلاء بأن إدارة الإعلام ليست هواية أو فكرة رمزية، بل هي عمل متكامل له أصوله كي يصبح عنصرا منتجا، بصرف النظر عن الهدف المطلوب، وبرنامج أسبوعي لن يحقق هدفه، لأن الطريقة التي يخرج بها توحي بالاستعجال، وتوصيل رسالة معينة وليدة اللحظة، وهو ما جعله أشبه بـ”كوكتيل إعلامي وبلا هوية واضحة، وبعيد عن المضامين السياسية
المؤثرة”.

ووضعت التجربة الجديدة أمام معضلة كيفية جذب الفئات الشبابية التي لا تقتنع غالبيتها بالرسائل التي يقدمها مثل هذا النوع من البرامج المفككة، وإن جرى بثها على منصات إلكترونية متعددة، ومواقع التواصل الاجتماعي كما هو مقرر، فسوف يظل البعد الرسمي يلازمها وهي أول نقاط الضعف الإعلامي، لأن التلفزيونات الرسمية في الدول الأربع قليلة الجاذبيةأصلا.

وقال رئيس قطاع الأخبار الأسبق بالتلفزيون المصري إبراهيم الصياد، إن التعاون العربي المشترك في الإعلام يعبر عن تعاون بين الحكومات، وهو أمر لم يعد موجودا تقريباً، فقد أضحت كل دولة تبحث عن مصالحها، وما حدث يرمي إلى المزيد من التقارب الشعبي، وهي واحدة من مهام البرنامج التي تمثل اختبارا
جديا.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن التعاون الإعلامي مازال ممكناً في عصر السماوات المفتوحة، لكنه لا يجب أن يلغي رغبة كل دولة في المنافسة وتحقيق أقصى نجاح ممكن، ما يجعل إحداث التكامل بين المشاريع الإعلامية في الدول المختلفة طريقة مناسبة للتنسيق الناجح، على أن تركز كل جهة على المزايا النسبية التي لديها.

ويتطلب نجاح التجربة تقديم أفكار مختلفة عما تبثه وسائل الإعلام العربية الأخرى، والابتعاد عن الكلام المكرر وترك المجال للصورة والجمهور للتعبير من خلال التجول في شوارع المدن العربية بالدول الأربع.

وسيجد البرنامج الجديد نفسه أمام جملة من التحديات، على رأسها كيفية تقديم لغة إعلامية مشتركة تتناسب مع اهتمامات الجمهور في الدول الأربع في ظل تراجع التعاون الثقافي العربي في الآونة الأخيرة.

ويشكل البرنامج اختباراً لإمكانية العودة مجدداً للبث المشترك الذي ظهر في بعض المناسبات، ولم يحقق التأثير المطلوب أو الرسالة السياسية التي يريدها في تغيير توجهات الرأي العام العربي، وانحصرت مهمته في الطابع البيروقراطي.

وتأتي التجربة في ظل أوضاع إعلامية وسياسية مغايرة عن تلك التي كانت في ستينات القرن الماضي عندما برزت إذاعة “صوت العرب” المصرية على الساحة العربية، في وقت كانت فيه الإذاعة وسيلة تواصل بين الشعوب قبل ظهور التلفزيون.

إبراهيم الصياد: التعاون الإعلامي مازال ممكنا في عصر السماوات المفتوحة

ولعبت تجربة “البيت الإعلامي الخليجي”، وهي مؤسسة إنتاجية قدمت محتويات إعلامية عديدة بالتعاون بين وزارات الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي، دوراً مهماً في التقارب بين شعوب دول المجلس قبل أن تختفي.

ويختلف الوضع بالنسبة إلى برنامج “بيت الكل” الذي جاء نتاجاً لتقارب سياسي بين الدول الأربع لا أحد يستطيع توقع أفقه، وهو جاء للتأكيد على امتلاك المزيد من الطموحات، والتي تتجاوز حدود الإعلام.

ويقول خبراء إعلام إن برنامجا أسبوعيا لا يكفي لتمرير رسائل تستهدف الشعوب، تزامناً مع تقارب إقليمي له صبغة اقتصادية، فالمشروعات الواعدة التي تحدث عنها قادة الدول الأربع تتطلب إعلاما محترفا لتهيئة الأجواء للخطوات التالية.

وأكد رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري السابق، عصام الأمير، أن استعادة التعاون المشترك، وإن كان عبر برنامج أسبوعي، عنصر إيجابي رمزي بعد عقد من الزمان مر به العالم العربي بحالة من الضعف غير المسبوق، وأي تجربة تستهدف التقارب في المجال الإعلامي تبرهن على إمكانية استعادة الهيئات الحكومية لأدوارها التوعوية التي غابت بفعل الأزمات السياسية.

وأشار الأمير في تصريح لـ“العرب” إلى أن نجاح البرنامج من عدمه يتوقف على القضية التي يحملها ويسعى للترويج لها، على أن تحظى باهتمام الشارع في الدول التي يتوجه إليها، مع تحقيق عوامل الصدق والمهنية بعيداً عن الاستقطاب والتوجيه السياسي الذي التصق بالإعلام العربي طيلة السنوات الماضية ومازال يعاني منه.

وأضاف على الحكومات العربية دور فاعل في دعم هذا النوع من الإعلام الذي يحقق أهدافا ترتبط بتأمين الأمن القومي، وتضييق الخناق على حالات الاختراق التي يتعرض لها المواطنون، لأن الاستعانة بالقوة الناعمة يضمن التأثير في الرأي العام.

وتكمن الخطورة في إدارة البرنامج بالطريقة السياسية العربية الخاطفة المعروفة، والتي تنجذب لشيء ثم سرعان ما يفتر الحماس بمضي الوقت وتفقد زخمها، لأن القواعد التي تنطلق منها لا تراعي الأصول المهنية، الضامنة للنجاح.

18