برنامج تلفزيوني يعيد ربع قرن من ذاكرة السوريين عبر العالم الافتراضي

يشكل برنامج «تلفزيون والناس» ذاكرة الجمهور السوري بمختلف أطيافه، وهو ما دفع الإعلامي عبدالمعين عبدالمجيد لإعادة التجربة ونقل حياة السوريين ومشاكلهم والتحولات التي طرأت عليهم في دول الاغتراب، عبر منصات التواصل الاجتماعي، مع الحرص على الابتعاد عن التوجهات السياسة لضمان قبوله من الجميع.
الثلاثاء 2017/03/07
الهدف هو حياة السوريين في كل دولة

إسطنبول - يعود برنامج “تلفزيون والناس”، الذي رافق ذاكرة السوريين طوال 23 عاما منذ ثمانينات القرن الماضي، بنسخة جديدة عبر العالم الافتراضي، ليرصد حياة السوريين في دول الاغتراب، بعد أن كان مساحة للإضاءة على واقع الناس في شوارع دمشق والمدن السورية الأخرى.

ويراهن مقدّم البرنامج عبدالمعين عبدالمجيد، على رسوخه في ذاكرة الناس في الشارع، وشهرته في التلفزيون السوري، لإعادة استقطاب الجمهور الذي يعرفه جيدا، عبر تسليط الضوء على واقع السوريين بالشتات والتحوّلات التي طرأت عليهم.

ويحمل البرنامج عنوانا جديدا “وين ما كنتو تكونو”، وتمّ تغيير الاسم لأسباب تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وسيبث عبر جريدة “عنب بلدي” على يوتيوب وفيسبوك فقط، ليتناسب مع الواقع الجديد لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من جهة، وليصل إلى كل السوريين في مختلف أنحاء العالم من جهة أخرى.

كما يحرص البرنامج على الابتعاد عن تناول القضايا السياسية، التي ستؤثر حتما على شعبية البرنامج والمقدم على حد سواء، ويقول عبدالمجيد “الانقسام السياسي في الشارع اليوم يؤثر كثيرا على العمل الإعلامي، فاسمي مرتبط بذاكرة كل السوريين، وأنا حريصٌ على ألا أسيء لسمعتي وتاريخي، واليوم هناك جيل لا يعرفني ولا يعرف البرنامج، وأحاول أن أكون متوازنا وأن أعمل على جمع الناس لا تفرقتهم”.

البرنامج كان يخضع للرقابة في التلفزيون السوري لأن وجهة النظر السائدة هي أن الرقيب أكثر معرفة من معد البرنامج

ويجري تصوير البرنامج في تركيا وأوروبا، بنفس الأسلوب السابق، مع كاميرا تلاحق مقدّم البرنامج، ومايكروفون بيده، يوقف السوريين في الشوارع، أو أثناء ممارستهم لمهنهم، أو التطفل على جلساتهم في المطاعم أو الحدائق، ليسألهم عن أحوالهم، ويتحدث إليهم بطريقة عفوية عن أوضاعهم ومهنهم وهمومهم. ويتم التطرّق لشرح كيفية العمل في مهنة ما، أو أحوال البيع والشراء، كما لو أنها نشرة أخبار البلد “من فم أولاد البلد” وبطريقة لطيفة. وتناقش حلقات البرنامج الاقتصاد أحيانا، والعادات والتقاليد، والأمور الاجتماعية أحيانا أخرى.

وقال عبدالمجيد في تصريحات نقلتها “دويتشه فيله”، “كنت مترددا كثيرا حول مسألة العودة إلى الظهور الإعلامي بهذا العمر، ومنذ أن أتيت إلى اسطنبول قررت العمل بالفن التشكيلي وأن أبدأ ورشة للمهن اليدوية، أو أن أُنشئ مسرح طفل للسوريين الموجودين هنا، فالجيل تغيّر ولا أعرف إذا ما كان الناس سيتقبلون عملي مجدداً، كما أني لن أعود مع قناة جديدة معروفة، لكن القائمين على العمل أقنعوني بالفكرة”.

ويقول بعض متابعي البرنامج، أن الفكرة أعادتهم 25 عاما إلى الوراء، فيما يشبه إعادة عرض للذاكرة واستحضار الحنين إلى الماضي.

وساهم اختيار مواقع التواصل الاجتماعي يوتيوب وفيسبوك كوسيلة للبث، في خدمة فكرة البرنامج أكثر، رغم مخاوف القائمين عليه، وأفاد عبدالمجيد “كنت متخوفا من الظهور عبر برامج التواصل الاجتماعي، بل كنت أقول بأني لن أعود للعمل الإعلامي، فهذه البرامج مرعبة بالنسبة إليّ، والبث عبرها أسوأ من البث الكلاسيكي، ففي حال الخطأ في البث المباشر تمر الغلطة، لكن هنا مع التعليقات وردود الأفعال لا أحد يرحم”.

عبد المعين عبدالمجيد: نحتاج لتصاريح في كل مكان نصور فيه وهذا يعرقل العمل قليلا

وأضاف “يشعر المرء بأنه مراقب بشكلٍ دائم، وهذا شيء مخيف بالنسبة إليّ لأنه لا يتناسب مع عمري وتاريخي، لكن في النهاية علينا أن نعمل، وهناك بالتأكيد من سيحبنا وهناك من سيشتمنا لكن هذه ظروف أيّ عمل”.

وتوقف برنامج “تلفزيون والناس” في العام 2012، بعد أن كان يبث على القناة السورية الأرضية، التي لم تعُد تحظى بمتابعة كبيرة مع وجود البث الفضائي. واعتبر في ذلك الحين، ثورة في برامج التلفزيون السوري، وذهب البعض إلى اعتباره ممثلا لـ“تلفزيون الواقع” قبل اختراع هذه البرامج بكثير.

وقال عبدالمجيد الذي انتقل إلى اسطنبول في 2015، “عنـدما غـادرت سـوريا أردت أن أقـوم بشيء يسلط الضوء على المواطن السوري الذي من أجله هو حدث ما حدث، ووجدت أن لا أحد يتناول أوجاع المواطن في الخارج، ولم يتطرّق أحد لكيفية عيشه، وإن وجد ذلك فيبقى عبارة عن قصص فردية”، وأشار إلى أن “الهدف هو حياة السوريين في كل دولة”.

وتعدّ الشارة الغنائية للبرنامج إحدى المميزات الأساسية له والراسخة في ذاكرة السوريين، ورغم أنها لم تنتقل مع البرنامج في نسخته الجديدة، إلا أنها رافقت عبدالمجيد مع بداية تجربته من تركيا لصالح راديو شبّاك، حيث غطى بعض النشاطات التي يقوم بها السوريين في تركيا. وعلّق على التجربة قائلا “أعاني من الأمور المهنية والمادية، لأن الموضوع جديد بالنسبة إلى المنتجين هنا، كما أننا نحتاج لتصاريح في كل مكان نصوّر فيه وهذا يعرقل العمل قليلاً، وهناك أشخاص لا يرغبون في الحديث مع الكاميرا، والبعض يقول أشياء لا يجب أن تقال أمام الكاميرا، خاصة أن البرنامج اجتماعي وغير سياسي، لكن اللقاءات عفوية، ونحن دوماً نبحث عن تواجد السوريين”.

وأضاف الإعلامي “أيضا على الصعيد الفني أعاني من صعوبات، فأغلب الذين يعملون في التصوير أو المونتاج، ليسوا محترفين بشكل كامل، وهم شباب لا يملكون خبرة كبيرة ومازالوا يتعلمون، وفي مثل هذه البرامج يتطلب الأمر مصوّرا سريع البديهة وحاضرا دائماً خلال عملية المونتاج، بخلاف ما كان عليه الوضع في سوريا، حيث كنت أتعامل مع أشخاص محترفين”.

وكان عبدالمجيد قد ذكر في تصريحات سابقة أن “السياسة البرامجية جعلت من التلفزيون السوري بعيداً كل البعد عن المجتمع السوري بسبب المساحات الصغيرة وعدم استخدام أدوات التلفزيون بشكل صحيح رغم وجود صحافيين مثقفين ومهنيين”.

وأضاف أن “قرب البرنامج من السوريين وملامسته للناس هما سبب نجاحه”، وبرأيه كان البرنامج سينجح حتى لو عرض في عصر الفضائيات، “مع إضافة تقنيات جديدة إليه”.

وأشار إلى أن “برنامج التلفزيون والناس كان يخضع للرقابة، على اعتبار أن الرقيب أكثر معرفة ودراية من معد البرنامج”، مردفاً “كنت أتبع أسلوباً وطريقة يتيحان لي أن أقول من خلالها ما أريد في البرنامج، ويتقبله الرقيب والمشاهد”.

18