برنامج كمبيوتر جديد يساعد الأطباء على رصد الأمراض النادرة

كشف الأعراض الوراثية مبكرا يعجل الشفاء، ونتائج التطبيقات لا تغني عن فحوص المختبرات.
الخميس 2019/01/17
الذكاء الاصطناعي في خدمة الطب

يلعب عامل الزمن دورا رئيسيا في تشخيص المرض وطرق مكافحته وكلما تمكّن الأطباء من رصد العلامات الأولى مبكرا زادت فرص النجاة، لا سيما إذا تعلق الأمر بالإصابة بالأمراض المستعصية أو النادرة. وهو ما يسعى باحثون دوليون إلى تحقيقه، عبر تطويرهم لبرنامج إلكتروني يفحص صورة المصاب الضوئية ويقارنها بكمّ هائل من العلامات المرتبطة بالمتلازمات الوراثية المدوّنة داخل سجلات محفوظة بجهاز الكمبيوتر.

بوسطن (الولايات المتحدة) – قال باحثون من الولايات المتحدة وألمانيا  إنهم نجحوا في تطوير برنامج كمبيوتر قادر على التعرّف على أمراض وراثية نادرة للإنسان من خلال صورته الضوئية. وتمّ تقديم هذا البرنامج في العدد الأخير من مجلة “نيتشر ميدسين” الطبية، وأطلقوا عليه اسم "الشكل العميق".

يقول العلماء إن البرنامج يستطيع التعرّف على أكثر من 200 مرض، أغلبها متلازمات نادرة. ويمكنه، أيضا، عند الاشتباه في الإصابة تحديد الأسباب الجينية المحتملة وراء المرض، مما يُعجّل بسرعة تشخيصه، حسبما أوضح بيتر كرافيتس، أحد المشاركين في البحث، من مستشفى بون الجامعي بألمانيا. غير أن الباحثين أشاروا في الوقت ذاته إلى أن برنامجهم يتمتع بكثير من القدرات الأخرى.

وقال كرافيتس إن ما بين 2 إلى 8 بالمئة من البشر مصابون بمتلازمة نادرة تعود إلى أسباب جينية وأوضح أن ثلث إلى نصف هذه الأمراض يتزامن مع الإصابة بتأخّر النمو العقلي والذي تظهر أعراضه بالفعل في سن الطفولة.

وأوضح فريق الباحثين، تحت إشراف يارون جوروفيتش من شركة (أف.دي.أن.آي) الأميركية، “بسبب العدد الكبير من المتلازمات المحتملة وندرتها، فإن التوصّل لتشخيص يحتاج فترة طويلة ويتكلف كثيرا".

 وقالوا إن قليلا من الخبراء فقط هم الذين استطاعوا حتى الآن التعرّف على أشكال غير عادية أو أعراض بالغة الندرة لعدد من الأمراض، ولكن الأنظمة الآلية لديها قدرة على تحسين هذا الوضع بشكل واضح.

باحثون يقولون إن برنامج "الشكل العميق" يفحص صورا أمامية للوجوه، بحثا عن أي أعراض ملفتة ومميزة لأمراض بعينها

ويفحص برنامج "الشكل العميق" صورا أمامية للوجوه، بحثا عن أي أعراض ملفتة ومميزة لأمراض بعينها، ويعتمد في سبيل ذلك على تحليل شكل العينين والفم والذقن والمسافة بين الحاجبين.

وتركّز الشبكة العصبية الصناعية، وهي تقنية لتقليد الأنماط، على غرار تلك الموجودة في المخ، على عدة عناصر، بينها 130 نقطة في الوجه، وتقارن هذه النقاط بـ216 متلازمة. وبناء على مدى أوجه التوافق أو الخلاف مع هذه النقاط، تقدم التقنية قائمة بأكثر الأسباب الجينية احتمالا للإصابة بأحد هذه الأمراض النادرة، “ثم تتم المقارنة من خلال قاعدة البيانات بين هذه الصور الكثيرة والتوصل لتشابه إجمالي”، بحسب كرافيتس، المتخصص في المعلوماتية البيولوجية.

ووفقا لكرافيتس، فإن أكثر الخطوات التي كانت مجهدة للباحثين أثناء عملية التطوير كانت تدريب البرنامج على جملة من بيانات تشمل أكثر من 17 ألف صورة، حيث تم تدريبه على التعرف على متلازمة كورنيلا دي لانج، المعروفة اختصارا بمتلازمة (سي.دي.آل.أس) ، باستخدام صور لـ614 شخصا، وقرابة 1100 صورة لآخرين.

وفي اختبار لاحق لمعرفة ما إذا كان شخص ما مصابا بهذه المتلازمة، حقق البرنامج درجة ثقة وصلت 97 بالمئة. وبلغت درجة الثقة في البرنامج 92 بالمئة، عند التعرّف على متلازمة أنجلمان التي تم التدرب عليها من خلال قرابة 770 مصابا و نحو 2700 شخص آخر. غير أن الباحثين لم يحاولوا من خلال هاتين التجربتين سوى معرفة ما إذا

كان شخص ما مصابا بهذه المتلازمة أم لا، حيث يهدف الاختباران إلى ضبط حساسية برنامج الكمبيوتر. ثم اختبر الباحثون من خلال تجربتين مدى قدرة البرنامج على اكتشاف واحد من 216 اضطرابا جينيا في إحدى الصور المعروضة عليه.

وقدّم نظام الكمبيتور الجديد بعد هذا الفحص عشرة تشخيصات رئيسية محتملة للصور التي قرأها. وبلغت نسبة احتمال وجود أحد الاضطرابات الجينية بين هذه التشخيصات العشرة بالفعل 90 بالمئة، بل إن التشخيص الذي اعتبره البرنامج الأكثر احتمالا في نحو 65 بالمئة من الحالات التي عرضت عليه، كان صائبا.

التعرّف على أكثر من 200 مرض
التعرّف على أكثر من 200 مرض

ويأمل الباحثون في استخدام البرنامج في عيادات الأطفال التي يتردد عليها آباء يشُكّون في إصابة أبنائهم بأعراض ملفتة، حسبما أوضح كرافيتس.

وتجدر الإشارة إلى أن البرنامج يقدّم فقط تشخيصات محتملة، ويترك الكلمة الأخيرة للمختبرات، لتأكيد مدى الإصابة باضطرابات جينية. وتكمن قيمة البرنامج، وفقا لكرافيتس، في أنه يساعد أطباء الأطفال في التنسيق مع أخصائي جينات بشرية من أجل التوصل لتشخيص يسير باتجاه بعينه، خاصة في ظل الجهد الجهيد الذي يلقاه الخبراء المعنيون عند تشخيص الحالات النادرة، وذلك بسبب التزايد المستمر في المتلازمات المرضية النادرة التي يتم الكشف عنها يوما بعد يوم.

يذكر أن تشخيص الأمراض الوراثية ليس إلا واحدا من الكثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب. وبحسب كرافيتس، هناك برامج كمبيوتر مماثلة يتم تطويرها حاليا للاستخدام في تقييم صور أخرى مثل صور أشعة الرنين المغناطيسي أو صور شبكية العين. وقال كرافيتس إن تطوير هذه البرامج لا يزال في بدايته “وسيتم الربط بين هذه الشبكات الإلكترونية خلال سنوات قليلة”.

يعتمد البرنامج الجديد على تخزين أكبر قدر ممكن من المعلومات، بدقة متناهية واستدعائها عند الحاجة أو عند اكتشاف علامات متطابقة. وهو برنامج مشابه للنظام الذي تعتمده مراكز التحقيقات البوليسية في كل العالم، لشدّة دقته. فيكفي أن يدوّن المحققون خصوصيات الحمض النووي (دي.أن.آي) للمشتبه فيهم على الكمبيوتر حتى يبحث الجهاز على تطابق مع ما لديه من معلومات ويرسل إشارة عن نتيجة البحث.

 يتوخّى برنامج “الشكل العميق” نفس المسار، تماما، ويلتقط الجهاز بنفسه كل علامات التشابه بين الصورة الضوئية للمصاب وما لديه بالسجلات على أعراض الأمراض الوراثية النادرة.

17