برنامج مقالب يومي يثير الرعب في نفوس ضيوفه في العراق

العراقيون في حاجة إلى برامج تحث على المحبة لا الكراهية والعنف.
الخميس 2021/04/22
مقلب من ثلاثين دقيقة يعكس مستوى ضحالة البرامج التلفزيونية

لا يكاد شهر رمضان من كل سنة يمر دون أن يثار الاستنكار حول بعض الأعمال والبرامج التي تبثها بعض القنوات في شتى الأقطار العربية. ونالت برامج المقالب التي باتت أساسية في تلفزيونات كل قطر عربي نصيبا وافرا من النقد، حيث يتحوّل بعضها بغاية الإضحاك إلى وسيلة عنيفة خادشة لكرامة البشر ومروجة للكراهية والتمييز والعنصرية والطائفية، وهي تحتاج إلى وقفة جدية.

في كل عام تثار ردود فعل متباينة في العراق حول بعض البرامج والمسلسلات التلفزيونية التي تعرضها القنوات الفضائية خلال شهر رمضان، ففي العام الماضي أثار مسلسل “بنج عام” لغطا وضجة، خاصة حلقته الخامسة التي تناولت موضوع سبي تنظيم داعش للنساء الإيزيديات، واغتصابهنّ، وبيعهنّ في سوق النخاسة.

وقد هدّد وقتها ناشطون إيزيديون بمقاضاة طاقم المسلسل بسبب ما عدّوه “تشويها للقضية الإيزيدية”، على خلفية استخدام الممثل، الذي يلعب دور عنصر في داعش، ألفاظا جارحة ضد الإيزيديين. وتدخّلت وزارة الثقافة العراقية في الموضوع بإصدار بيان قالت فيه “إنها تتابع باهتمام بالغ ما أثير من ضجة بشأن المسلسل، وتستنكر المس بالمكون الإيزيدي الكريم، وتتعاطف أشد التعاطف مع مأساته، ودعت منتجي الدراما في البلاد إلى وجوب توخّي الدقة في تناول الموضوعات الحساسة، والالتزام بالضوابط والمعايير الفنية والأخلاقية”.

لكن يبدو أن الإساءة إلى الآخرين لم تتوقف مع رمضان هذا العام الذي شهد بث برنامج مقالب عراقي صادم بعنوان “طنّب رسلان”، قام بإنتاجه الحشد الشعبي.

برنامج عنيف

 في رمضان الحالي أثار برنامج تلفزيوني يومي بعنوان “طنّب رسلان”، بدأ عرضه على قناة آسيا في الأول من الشهر الفضيل، ردود فعل واسعة في بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وطالب الكثيرون بإيقاف بثه لما يتضمنه من مشاهد تحث على العنف.

البرنامج فكرة وتقديم رسلان حداد (ممثل وإعلامي)، وإخراج حيدر سعد، وهو من نوع برامج المقالب، على غرار برنامج “رامز جلال”، وعنوانه غريب، فكلمة “طنّب” في معاجم اللغة تشير إلى دلالات عديدة منها “طنَّب الشيء: كثر حتى لا يُرى أقصاه من كثرته”، “طنّب بالمكان: أقام فيه”، “طنّب الخيمة ونحوها: جعل لها أطنابا وشدَها بها”، ولا أحد يعرف أيا من هذه الدلالات هي المقصودة.

يستضيف البرنامج شخصيات شهيرة لتقديم الحلقات خلال زيارة عائلات عراقية نازحة في حزام مركز العاصمة بغداد، أو أطرافها، وتفقّد أوضاعها وتقديم المساعدة والعون لها، وحثها على العودة إلى ديارها نظرا إلى استتباب الأمن فيها.

البرنامج يؤكد الابتذال الذي بلغته بعض البرامج التلفزيونية في العراق، وهو جزء من انحدار الثقافة في البلد

أثناء توجه فريق البرنامج إلى إحدى تلك العائلات، يواجهون هجوما مفترضا لتنظيم داعش، ويقوم عناصر منه بعصب عيني الضيف بقطعة قماش، وتعليق حزام ناسف في رقبته، في ظل أجواء رعب وأصوات إطلاق نار. وتنتهي كل حلقة بوصول قوة أمنية، لتحرير الفريق، ونزع الحزام الناسف من رقبة الضيف، وهو في حالة فزع شديد قبل إخباره بالمقلب.

وتظهر في بداية كل حلقة كتابة على الشاشة تقول “قصص عاشها العراقيون بين ألم وحزن وفخر اخترنا بعضا منها لنسردها بشكل خفيف. ليس هدفنا التذليل أو التسخيف بقدر جعل المشاهد والضيف يشعر بتلك اللحظات. كل ما ستشاهدوه هو عبارة عن مقالب معدّة سلفا، وننوه إن الإطلاقات النارية وكذلك التفجيرات هي عبارة عن عيارات تدريبية كاذبة”.

ثم يظهر مقدم البرنامج رسلان حداد على ضفة نهر دجلة، ويخاطب المشاهدين بأن فكرة البرنامج تهدف إلى إظهار دور القوات الأمنية في حماية المواطنين، وتجسيد عنف تنظيم داعش، والتعريف بأجواء الرعب التي تعرض لها الكثير من العراقيين.

آراء الجمهور

برنامج يستضيف شخصيات شهيرة لتقديم الحلقات خلال زيارة عائلات عراقية نازحة ويوهمهم بهجوم إرهابي وأنهم وقعوا أسرى
برنامج يستضيف شخصيات شهيرة لتقديم الحلقات خلال زيارة عائلات عراقية نازحة ويوهمهم بهجوم إرهابي وأنهم وقعوا أسرى

من الشخصيات التي جرت استضافتها في حلقات البرنامج: الفنانون محمد هاشم، رحيم مطشر، بيداء رشيد، داليا نعيم وباسم البغدادي، واللاعب علاء مهاوي. وبعد بث الحلقة الأولى منه دوّن عدد كبير من المشاهدين تعليقات في “فيسبوك” وتغريدات في “تويتر”، هاجموه فيها ودعوا إلى إيقافه.

 ومن بين التعليقات التي رصدناها قول أحدهم “ما جدوى رسالة هذا البرنامج، خاصة في المقاطع التي يجتمع فيها عناصر من داعش والقوات الأمنية، حتى إن لم تكن مقصودة، لكن المتلقين من غير العراقييين والأطفال تترسخ في مخيلتهم صورة مغايرة للواقع، ارحموا عقولنا”.

وقال مغرد آخر “مع الأسف اليوم نجد تغييبا إعلاميا مقصودا للجيش والشرطة وجميع الأجهزة الأمنية في برنامج تلفزيوني يبث في قناة عراقية اسمه ‘طنّب رسلان‘، لا أعلم ما الغرض من هذا التهميش للأجهزة الأمنية؟”.

فيما نجد في تغريدة أخرى “ثلاثون دقيقة تعكس لك مستوى الضحالة، ولغة الموت والخوف والرعب في الرسالة الإعلامية، التي يحاول الإعلام بثها للشارع، محاولة رخيصة وواضحة لإعادة مسك يافطة ‘حماة الأعراض‘ ورفعها قبال المتضررين وضحايا هذه الجماعات العنيفة، وإرضاخ المجتمع لمنطق السلاح كحل أوحد لمعالجة الأزمات التي تعصف بالبلد، الأزمات التي كانوا ولازالوا هم جزءا من صناعتها إن لم يكونوا السبب الأوحد في ذلك”.

واعتبر كثيرون أن “البرنامج فاشل جدا، ويُفترض أن يقيم الشخص الذي يتعرض لهذا المقلب دعوى قضائية ضد منتجيه ويطالبهم بتعويضات”.

فيما انتبه آخر لأدق التفاصيل حيث وضع البرنامج علامة “الجوكر” مع أسلحة عناصر داعش للإيحاء إلى أن تظاهرات أكتوبر التي عرفها العراق جوكرية، ومجرد أبواق حالهم من حال داعش.

وقد اتهم الكثيرون البرنامج بأنه سادي، ومن يحب أن يرى إنسانا يتعذب أمامه عليه مراجعة طبيب نفسي. حيث يشيع البرنامج الإرهاب النفسي الذي جرى على ضحايا المقلب وتبعات ذلك بما يرتبط بالذاكرة الدموية لوجود داعش في المنطقة. إنه تسويق لتنظيم داعش وإشاعة للرعب في أوساط المجتمع.

واعتبر مغردون آخرون أن “طنّب رسلان” هو في الحقيقة “برنامج سخيف وتافه، ويُفترض مقاضاة كادره والقناة التي تبثه. والعراقيون أحوج ما يكونون الآن، وخاصة في شهر رمضان، إلى برامج تحث على المحبة والوئام والسلام، وتكشف عن الفاسدين الذين نهبوا البلد، وأشاعوا فيه الخراب، وليس إلى برامج ومسلسلات هابطة فنيا وفكريا مثل ‘طنّب رسلان’ الذي يحاول أن يقلد بشكل مسطح برنامج رامز، وأشك في أن الشخصيات التي يستضيفها لا تعلم بالمقلب، وأستغرب كيف ترضى لنفسها أن تشارك فيه”.

فيما يأسف كثيرون لأن هذا البرنامج يؤكد الانحطاط الذي بلغته بعض البرامج التلفزيونية في العراق، وهو جزء من انحدار الثقافة في البلد إلى مستوى مخجل.

وقد حمّل بعض المعلقين شبكة الإعلام العراقي مسؤولية استمرار بث هذا البرنامج، وطالبوها بإيقافه، بوصفها هيئة مرتبطة بمجلس النواب، ومن أهدافها تعزيز ودعم المبادئ والممارسات الديمقراطية، وتشجيع ثقافة التسامح، وعدم الترويج للأفكار والممارسات العنصرية والطائفية والدكتاتورية والعنف والإرهاب، وكل ما يثير الأحقاد والكراهية بين أبناء الشعب العراقي.

14