برهان شاوي كاتب مسكون بكافكا ومتأثر بديستويفسكي

الخميس 2014/06/05
برهان شاوي: مغامر في الأدب ومطلّ على السينما

دهوك (العراق) ـ برهان شاوي كاتب كُردي عراقي، من مواليد سنة 1955. مغترب طوعا ومقيم في ألمانيا منذ سنوات، رغم أن عبارة “طوعا” لا تُؤخَذ بهذه السهولة، لأنه لم يختر الغربة وطنا له إلا لأن الوطن ومنذ عدة عقود زمنية “منذ أواسط سبعينات القرن الماضي” استحال ملتبسا كما أنه لم يعد وطن الكاتب. “العرب” حضرت مع الكاتب المتعدد الاهتمامات في مبنى”اتحاد الكتاب الكُرد” في دهوك بإقليم كردستان، ليتحدث عن جانب من تجربته ومسيرته الحياتية، وبالتركيز على الرواية همّه الأكبر حديثا.

لعلي ما كنت لأكتب عن برهان شاوي الكاتب المتعدد المواهب والاهتمام هنا، وتحت العنوان المشار إليه آنفا، إلا لأن لديه “برهانه” ليس في الكتابة وحدها كمجرد كتابة وإنما كمبدإ، فأن تكون “الكتابة هي الحياة” بتعبير فلوبير، إنما لأن الحياة المسماة من خلال الكتابة لا تتاح لأيّ كان، ولا يعبَّر عنها بذات المنظور من قبل أيّ كان.

برهان شاوي بدأ شاعرا، وهو مهتم بالمسرح والسينما منذ ثمانينات القرن الماضي عندما تابع دراسته في موسكو، وانتقل إلى ألمانيا، وعايش الكتابة تأليفا وترجمة، إلى جانب الممارسة الحياتية لها، وليعمل فترة في المجال الإعلامي “في الإمارات العربية المتحدة” ومن ثم في بغداد، بعد سقوط النظام العراقي، ليجد نفسه في دائرة جهنمية من المحسوبيات والضغوط، فما كان منه إلا أن رجع من حيث أتى، ولتظهر حلقات روايته “متاهة آدم” خصوصا.


دقت الساعة


تحدّث بالعربية معتذرا عن أنه لا يستطيع إلقاء محاضرة بالكردية “وهو معروف بكتاباته بالعربية أساسا”، والإشكالية تبدأ من هنا في الحال، وتحديدا حين يحاول كاتب كردي تقديم نشاط له بالعربية خصوصا، تعبيرا عن تاريخ معاش لا يخلو طبعا من عنف وقمع تركزا على اللغة الكردية كثيرا، وكأن العربية تحيل الناطق إلى خطابها السياسي في الحال.

في روايته "مشرحة بغداد" نحن إزاء مشاهد متداخلة فرانكشتاينية، حيث الجميع موتى

ما تحدّث فيه برهان هو ما تمكن من التذكير به: «إنه الخراب الذي يأتي على كل شيء في المنطقة ومنذ عقود زمنية، خراب يؤدّي إلى خراب، إلى درجة أن إنسان المنطقة بالذات بات أشبه ما يكون بألعوبة قدرية مقررة وهو في دوامة للعنف، ليس بمعنى التوحيد بين “القاتل” و”المقتول” وإنما تجاه هذا المجتمع المتداعي في العمق».

بدأت تجربته الكتابية في الشعر قبل أكثر من أربعة عقود، أما الروائية فقد ابتدأها مع روايته “الجحيم المقدس” في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وهي “الرواية المسينمة”، كما جاء التعريف بها على غلاف الرواية، والأكثر وضوحا من الروايات التالية لها باعتبارها رصدا لطغيان النظام العراقي ضدّ الكرد أولا وسواهم تاليا.

وتظهر تجربته الحياتية وقبل عودته الأخيرة إلى “الغربة: الوطن” في روايته “مشرحة بغداد”، إذ أننا إزاء مشاهد متداخلة فرانكشتاينية، حيث الجميع موتى، جثث ممثّل بها، حتى حارس المشرحة نفسه جثة، والسيارات تحمل جثثا متحركة، وكأن بغداد المثال قد ضاقت باسمها وأهلها، وليس من أمل يُرتقب، كما في قول الطفل الصغير للحارس بأن لا أمل في الانتظار لمعرفة الحقيقة، أي من خلال ما هو قائم.

ويأتي الجزء الأول من روايته “متاهة آدم” حديثا، ومن ثم حلقات المتاهات “متاهة حواء”، فـ”متاهة قابيل”، فـ”متاهة الأشباح”، فـ”متاهة إبليس” الأحدث في الصدور، وفي زمن متقارب لا يتعدّى السنتين لها جميعا، وهناك سلسلة متاهات قادمة كما أشار إلى ذلك الكاتب نفسه، متاهات تعرّي الواقع ومن يمارس التقية فيه.

متاهات تعرّي الواقع ومن يمارس التقية فيه


مناخات كابوسية


من أين جاءت فكرة المتاهة؟ لا بدّ أنها برزت في الواقع المعيش وأينعت في متخيّله الأدبي، حيث كل شخصياته الذكورية تحمل اسم “آدم” أما النساء فـ”حواء”، وليس من آدم فعلي ولا حواء فعلية. ثمة مسوخ أو نسخ مشوّهة، وثمة هذا الكم الوافر والمقلق من المناخات الكابوسية المتداخلة، عبر روايات تحيل على روايات: آدم معين يكتب عن آخر، وهذا عن ثالث.. إلخ، والانتقال أو التنقل أو عدم الاستقرار يطبع حياة الجميع، إلى جانب الموت الرهيب وفي بغداد خصوصا “متاهة قابيل”، حيث تكون مافياوات القتل والإجرام، إنما لا مجال للحديث عن الإجرام قطعيا، حين يسمّي القاتل جل المقيمين، تأكيدا على أن “الجميع من سلالة القاتل قابيل..”.

حتى أنه في كتابه “وهم الحرية” كما أشار، لم يدّخر جهدا في إبراز ذخيرة العنف، والوضع المصيري القسري للإنسان ومن خلال المزيد من الأمثلة، وهو ينطلق مما هو بيولوجي وكوني “ولأنه درس لسنوات الفيزياء دراسة حرة”.

لا بدّ أن ما أثاره ويثيره في عموم رواياته الصادرة وما هو في الانتظار وثيق الصلة بالمستجدات كما لو أن المزيد من تفجير العنف وتطعيمه وحصد الضحايا وفقدان السيطرة على الأمن، يترجَم إلى ما هو أدبي: روائي، ليس بالمعنى الميكانيكي إنما بطريقة تفصح عن مقدرة لافتة لدى الكاتب في إدارة الحوار، وكأن الشخصيات هي التي ترسم أدوارها وتعيشها، بمعنى آخر، كأني ببرهان في رواياته يقول: “لست أنا من يكتب إنما ثمة من يحفزني على الكتابة”.


مأزق الشخصية


هذا المعتمل الفني الأدبي، وبمثل هذا التوجه لم يرض الكثيرين ممن حضروا، ولعل لغة الإيديولوجيا كانت تتقدّم هذا التصور، وتأكد ذلك أكثر من خلال الحضور القليل، حضور لا أظنه يؤثر على المعنيين بالعملية الإبداعية أو كيف يمكن للكاتب أن يكون كاتبا “شعبيا” أو له اعتباره في أكثر من معنى.

لا غرابة أنه قوبل بالرفض وهو في كابوسيته، إلى درجة أنه اضطرّ إلى القول وبإيجاز شديد: “يا أخي أنا هكذا، أنا لا أرى أملا، أنا يائس..”، أو ما يشبه ذلك، لا غرابة أن يكون التقابل سلبيا بهذا المنوال، نظرا لغياب الصورة الفعلية عن عملية الإبداع أو خاصية الكتابة، إذ كان يفترض أن يعرض من يداخل أو يسأل عمّا يجري، وليس باعتماد سؤال “لماذا؟”، إلى درجة أن ثمة من أراد الحكم على أعماله الروائية دون أن يقرأ أيا منها كما اعترف هو.. إلخ.

مسكون بلغة كافكا، ولكنه مختلف بالمناخ السائد في رواياته، ولا يخفي تأثره بدوستويفسكي

ما حاولت قوله، إذ طلِب مني مسبقا “قبل بدء المحاضرة” أن أقوم بتقديم مداخلة، هو أن برهان شاوي فيما جاء به يدخل في نطاق “التناص اللاتناصي”، فهو مسكون بلغة كافكا “مستعمرة العقاب”، ولكنه مختلف بالمناخ السائد في رواياته، ولا يخفي تأثره بـ”دوستويفسكي” كما صرّح بذلك، ولكنه لا يتوقف “دوستويفسكيا” عند مأزق شخصيته هذه أو تلك، لأن الذي يطرحه أكثر من مأزق الشخصية من خلال واقع ممأزق، وأن قراءة رواياته أشبه ما تكون بـ”تفكيك هياكل عملاقة” في الصميم، انطلاقا من رحابة جغرافياتها وتنوّع أهواء الشخصيات رغم وحدة الأسماء.

برهان شاوي في أعماله الروائية لا يمثل نفسه ولا من يتحدث باسمهم مباشرة أو بشرا في نطاق جغرافي أوسع يتجاوز حدود العراق بالذات، وإنما يترجم بعضا من خزّين العنف الدامي.

15