برهان غليون المفكر والسياسي.. ومسار التحولات

الأحد 2014/01/19
اغتيال العقل قبل اغتيال الإنسان

حين تطلب من برهان غليون أن يختار لحوارك معه، واحدة من شخصيتيه، المفكر أو السياسي، سيسارع إلى القول بل السياسي، في الوقت الذي تحتاج الصورة السورية اليوم لتحليل المفكر أكثر من براعة السياسي في التقديم والتأخير والأخذ والعطاء، ولكن الأستاذ السوري المهاجر إلى باريس منذ عقود أراد لنفسه أن تخوض تلك المجاهل السياسية ربما بفضول الباحث المتعطش لمعرفة كيف ستجري الأمور، ولكن عن كثب هذه المرة، وربما بدفع من شعوره بضرورة المشاركة الفعلية وليس النظرية هذه المرة في السياسة والمجتمع.

لحق المثقفون السوريون بثورة الشعب، التي خرجت بأدوات بدائية، لتبني على الأسس الفكرية التي وضعتها النخبة، عبر عقود، ولكن دون أن تحوّلها إلى فعل عارم، كالذي فجّرته مطالبة الملايين بالكرامة، ويرفض برهان غليون القول بأن الشارع هو من يقود الثورة قائلا: ” هذا ليس شارعاً.. إنه الشعب بطبقاته وشرائحه الاجتماعية”، ويضيف: ” نحن لم نقد الشعب، بل هو اكتشف أن الحياة لم تعد ممكنة في ظل الاستبداد والاستهانة بكل القيم والأسس الأولية لحياة الناس، الكرامة والحرية والحياة الطبيعية”.

ولد برهان غليون في حمص العدية، التي أصبحت عاصمة للثورة السورية، في العام 1945، وغادر سوريا إلى باريس في أواخر الستينات لدراسة الفلسفة بعد أن أكمل دراستها في جامعة دمشق، وبعد سنوات قليلة من عمله بالتدريس، في باريس انغمس غليون في بحث المجتمعات، وتخصص في علم الاجتماع السياسي، وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون في العلوم الاجتماعية والإنسانية، حتى أصبح استاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس.

في باريس عاش برهان غليون استمرار وعيه الذي بدأ في سوريا، التي غادرها وهي تعيش التحولات الأخيرة قبل إطباق الاستبداد على المجتمع والسياسة معاً، فمنعته السلطات من زيارة بلاده وأسرته طويلاً، ولكن تأثيره بقي كبيراً جداً من خلال أعماله الفكرية الرفيعة، التي دفعت كثيرا من المعارضين السوريين إلى الاعتراف صراحة ” نحن من تلاميذ برهان غليون فكريا حين كانت كتبه تصلنا إلى الداخل السوري”.

وفي تلك السنوات كان غليون يكتب في “المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات” و”ثقافة العولمة وعولمة الثقافة” و”العرب وعالم ما بعد 11 أيلول” و”النظام السياسي في الإسلام “و “بيان من أجل الديمقراطية” و” اغتيال العقل” و”مجتمع النخبة” وكذلك في “المأساة العربية: “الدولة ضد الأمة” وفي “نقد السياسة: الدولة والدين”، ويمكن لمن يستعرض عناوين أعمال برهان غليون أن يرى استشرافه لجميع المشكلات التي واجهت الثورات العربية والسورية منها على وجه الخصوص.

يرى غليون أن المجلس الوطني السوري استطاع تحقيق الكثير وبنى شبكة العلاقات الدولية للثورة ونجح في خلق مجموعة أًصدقاء الشعب السوري المكونة من 150 دولة في العالم، تقدّم المساعدات المالية والإغاثية والعسكرية لثورة الشعب السوري


غليون وانتفاضة السوريين


في سنوات ما عرف بربيع دمشق، بعد توريث بشار الأسد للرئاسة في سوريا، نشط المثقفون وشكلوا لجاناً لإحياء المجتمع المدني، وافتتحوا المنتديات، وكان هذا يتم في فترة انتقالية لم تقو فيها بعد شوكة نظام بشار الأسد، الذي سارع إلى البطش بهم وإيداعهم السجون والمعتقلات، فشارك برهان غليون في زيارة خاطفة إلى دمشق بمحاضرة هامة في مناخ دمشق المتحدي ذاك، وشارك في منتدى الحوار الوطني بعنوان “نحو عقد وطني جديد” في خريف العام 2001، ووقّع على “إعلان دمشق” الذي توافقت عليه القوى السياسية والشخصيات الوطنية السورية في أواسط العقد الأول من الألفية.

في شهور الثورة السورية الأولى من العام 2011، كان برهان غليون يكثر من الظهور على شاشات المحطات، و تعهّد مسؤولية مواصلة تحشيد الناس، وتحريضهم على النهوض والتظاهر، وكذلك إيصال المعلومات التي كان يرسلها السوريون من الداخل المغلق، وتداخلت شجون الثورة وشؤونها، وطُرحت مقترحات، ورفضها آخرون، ووقّع برهان غليون مع الكاتب والمثقف السوري صبحي الحديدي ومع الناشر والكاتب السوري فاروق مردم بيك بياناً يرفض التحرّك الذي بدأه المفكر الفرنسي المقرّب من إسرائيل برنار هنري ليفي لتأييد الثورة السورية، وعبروا عن استهجانهم لما يقوم به من جمع للتواقيع لهذا الهدف، وكان ليفي قد بادر إلى نشر نص في صحيفة “لوموند” بتاريخ الخامس والعشرين من أيار 2011، بعنوان “لنجدة سوريا”، للتنديد بالجرائم التي يرتكبها نظام بشار الأسد والدعوة الى التضامن مع الشعب السوري في نضاله من أجل الحرية، لكن غليون وحديدي ومردم بك، رأوا أنه من غير اللائق أن يسعى أشخاص مثل برنار هنري ليفي إلى استغلال تحرك الشعب السوري.


تأسيس هيئة التنسيق


شكلت بعض أطياف المعارضة التقليدية السورية، تجمعاً سياسياً قالت عن نفسها في بيانها التأسيسي: “هذا نص الوثيقة السياسية التي أقرها اجتماع تسع قوى قومية عربية ويسارية وماركسية وأحد عشر حزبا كرديا وشخصيات من الاتجاه الإسلامي الديموقراطي ومن قطاع المرأة وعدد من الشخصيات الوطنية العامة في سورية ، كما وقعت عليها شخصيات سوريا في أوروبا، في اجتماع السبت 25 حزيران من العام 2011 وتم إعلانها في مؤتمر صحفي عقد في دمشق في 30 حزيران من العام ذاته، بحيث باتت تمثل أوسع إطار سياسي في سوريا، وتعمل الهيئة على إشراك بقية القوى السورية المستعدة لتوقيع الوثيقة في عضويتها لمواجهة الأوضاع الراهنة المعقدة في البلاد في مرحلة الانتقال من النظام الديكتاتوري الحالي إلى النظام الديمقراطي المنشود”، وكان برهان غليون أحد هؤلاء المؤسسين لهيئة التنسيق ولم يتقدم باستقالته منها حتى هذه اللحظة، غير أنه كتب في 2 يوليو من العام 2011: “وأنا إذ أعبر عن تقديري الكبير لاختياري عضوا في هيئة التنسيق أرى أن دوري الأساسي يبقى إلى جانب شباب الثورة الذين أولوني ثقتهم.. مع جميع أطراف المعارضة الأخرى، ومختلف قوى الشعب السوري “.


تأسيس المجلس الوطني السوري


قرّر مجموعة من شباب الثورة السورية، القفز فوق ارتباك النخبة السورية، وتفويت الفرصة على الجيل القديم الذي بات متردداً في فعل أي شيء، فاتفقوا على طرح مجموعة من الأسماء، على أنها إعلان لتشكيل مجلس وطني انتقالي سوري، دون الرجوع لأصحاب الأسماء، بل وضعهم أمام الأمر الواقع، وهكذا كان، فقد أعلنت الأسماء في الإعلام وعلى رأسها اسم الدكتور برهان غليون، وأصبحت القوى السياسية السورية المعارضة في ورطة، فكان عليها أن تتدارك الأمر وتنشئ فعلاً مجلساً بتوافقات وتكتلات وبنية تنظيمية.

وفي الوقت ذاته كانت مجموعات من خبراء المعارضة، تعمل على تشكيل جسم سياسي جامع لقوى الثورة السورية، فتوافق المشروعان على الأسس ذاتها، وفي يوم الاثنين 29 من آب ـ أغسطس من العام 2011، تشكل المجلس الوطني السوري بعد أخذ ورد ومفاوضات جرت في فندقين في تركيا، ليجري الإعلان في يوم الأحد 2 تشرين الأول ـ أكتوبر من العام ذاته 2011 ، عن تشكيل المجلس الوطني السوري، وانتخب الدكتور برهان غليون رئيساً بالتزكية وأعلن برهان غليون، من إسطنبول، البيان التأسيسي لتشكيل المجلس الوطني، الذي وصفه أنه يشكل “إطاراً موحداً للمعارضة السورية”، مؤكداً أن “تشكيل المجلس كان الأصعب، والاعتراف الدولي سيكون أسهل”، وقال غليون إن المجلس “يرفض أي تدخل خارجي يمس السيادة الوطنية، كما أكد أن المجلس “يدين سياسات التجييش الطائفي الذي يدفع بالبلاد نحو الحرب الأهلية والتدخل الخارجي”، وشدّد على أنه يسعى إلى الحفاظ على وحدة سوريا و”على مؤسسات الدولة، لا سيما مؤسسة الجيش”.

كانت تلك الكلمات التي دخل بها برهان أول تنظيم تمثيلي للثورة السورية، بعد انطلاقها، وتلك كانت محددات العمل السياسي السوري المعارض.. حتى ذلك الحين.

الحكومات العربية بمعظمها رحبت بالمجلس الوطني، واستقبل برهان غليون على أعلى المستويات، وتعاملت الدول الغربية مع المجلس على أنه الممثل الشرعي للشعب السوري الثائر


رد الفعل الدولي


رحبت الحكومات العربية بمعظمها بالمجلس الوطني، واستقبل برهان غليون على أعلى المستويات، وتعاملت الدول الغربية مع المجلس على أنه الممثل الشرعي للشعب السوري الثائر، على حد وصف بيانات مجموعة أصدقاء الشعب السوري، ولكن كانت الولايات المتحدة ترى أن المجلس ليس كافياً لاعتباره المظلة الوحيدة للمعارضة السورية، وبدأت المطالبة الأميركية بتوحيد المعارضة، تزامناً مع خروج روبيرت فورد من سوريا، وبدئه التواصل مع القوى السياسية السورية المختلفة، وبدأ التخبط في أداء المعارضة السورية، التي حيّرها المطلب الغربي بلم شمل المتناقضين، وكانت كلما تقدّمت خطوة باتجاه تحقيق هذا المطلب فوجئت بالمزيد من المطالب المعقدة، وعقد برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري اجتماعاً في القاهرة مع رئيس هيئة التنسيق في المنفى هيثم مناع، ووقّعا مسودة اتفاق رحبت بها الأوساط، وسارعت هيئة التنسيق بنشرها في الإعلام، ولكن غليون رفض الأسلوب الذي سوّقت به الهيئة التفاهم الذي أجراه معها، وتراجع عما ورد في الوثيقة.


الاستقالة من رئاسة المجلس


دخل برهان غليون في دوامة الحياة السياسية المضطربة، والتي لم يكن يفضّل أن يخوض في مياهها الضحلة الوعرة، بقدر ما كان يبحث عن أقرب الطرق للوصول إلى أهدافه السياسية.

وكانت حتى ذلك الوقت، دعم الثورة والتوصّل إلى أكبر قدر ممكن من النتائج الإيجابية لعمل المجلس الوطني بأهدافه المعلنة، ولكن وجد نفسه بين عقول سياسية عتيقة، بعضها كان قد تقاعد عن العمل السياسي لولا أن جاءت فرصة الثورة لتحيي الموات، تم التمديد له مرتين حتى تقدّم من تلقاء ذاته باستقالته من رئاسة المجلس، يقول غليون عن ذلك في حواره مع مركز الجمهورية: ” تشكل المجلس الوطني في أعقاب انتصار التدخل العسكري الدولي في ليبيا،.. وكان جزء كبير من الرأي العام الثوري يتوقع أن يكون تشكيل المجلس الوطني مقدمة لتدخل مشابه يضع حدا للعنف غير المسبوق الذي استخدمه النظام ضد المدنيين. بل هذا هو المبرر الوحيد لتشكيل المجلس والتفاؤل الذي نجم عنه بالنسبة إلى معظم الثوار وأبناء الشعب. وهو الذي دفع المعارضين لمثل هذا التدخل إلى اتهام المجلس بالتعامل مع الدول الأجنبية ورفضهم الدخول فيه، وكان ذلك من أسباب إضعافه أيضاً تجاه الرأي العام السوري والدول الأجنبية الصديقة أيضاً “.

وعن رئاسته للمجلس يقول غليون:” اتهمني البعض في ما بعد بأنني كنت ضد التدخل، واتهمني البعض الآخر بأنني كنت مع التدخل. واستخدم البعض من داخل المجلس الوطني وخارجه التهم المتناقضة ليقولوا لقد فشل المجلس ونسبوا هذا الفشل للرئاسة، وأضافوا إليها القيادة الديكتاتورية أحياناً وغياب القرار أحياناً أخرى، أي عكسها، ثم قالوا إنني سايرت الإخوان المسلمين قبل أن يصبح بعضهم أدوات في أيديهم،… لكن المجلس نجح في لمّ شمل أطراف مهمة من المعارضة وكان يمكنه لولا تردد هيئة التنسيق وشكوك بعض قادتها أن يجمعها كلها، واستمر في الوجود،.. وهو الذي بنى شبكة العلاقات الرئيسية للثورة مع الدبلوماسية الدولية وأعطى عنها صورة إيجابية سمحت لنا بتحقيق المكاسب الدبلوماسية الوحيدة التي حصلنا عليها إلى اليوم،.. ونجحنا أكثر من ذلك، في خلق تجمع (أصدقاء سوريا) الذي يضم أكثر من 150 دولة الآن، والذي نستند إليه حتى اليوم في تأمين الدعم السياسي والمالي للثورة والبلاد، وبفضل هذا التجمع حصلنا على أهم قرار يؤكد حقنا في الانتقال نحو دولة ديمقراطية صوتت عليه 140 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة”.

الائتلاف كونه المجتمع الدولي لأنه يريد مفاوضين، ولا يريد التدخل مهما حصل، ونحن قبلنا به كي نعطي ما لقيصر لقيصر


الائتلاف الوطني لقوى الثورة


وعن الائتلاف الذي قبل المشاركة فيه دون تردّد حين تم فرضه في مؤتمره التأسيسي في الدوحة يقول غليون:” تم تجاوز المجلس الوطني من خلال تشكيل الدول الصديقة للائتلاف بديلاً سياسياً عنه،… وقد كانت صورة السياسيين أفضل قبل الثورة وهذا طبيعي.

السيف الذي تستعمله لا يبدو ناصعاً كالسيف الذي لا يخرج من غمده،.. الائتلاف الوطني، بعكس المجلس الوطني، لا يحلم بأن يكون قيادة للثورة. هو واجهة للعمل الدبلوماسي. هكذا تكون، وهكذا أريد له أن يكون.

وقد مال بسرعة إلى وظيفته كما هو واضح بعد فترة قصيرة من تكوينه. وقد كوّنه المجتمع الدولي لأنه يريد مفاوضين، ولا يريد التدخل مهما حصل. ونحن قبلنا به كي نعطي ما لقيصر لقيصر، لكن الحاسم في مصير الثورة لن يكون الائتلاف ولا أصحابه وإنما المقاتلون على الأرض، على شرط أن نبلور منذ الآن استراتيجية فعالة لتوحيدهم وتنظيمهم وتمكينهم من وسائل النصر”.

7