برهم صالح يدخل الانتخابات العراقية على قاعدة رابح في كل الحالات

الهدف منصب في حكومة بغداد القادمة أو رئاسة إقليم كردستان وسد الفراغ الذي خلفه الطالباني واستثمار تراجع البارزاني.
السبت 2018/05/05
عائد من غيبوبة سياسية

السليمانية (العراق) - لا تمثّل الانتخابات البرلمانية التي سيشهدها العراق بعد حوالي أسبوع، محطّة سياسية ذات قيمة استثنائية لقادة إقليم كردستان العراق الذين يمرّون حاليا بأصعب مرحلة عاشوها بعد سقوط نظام حزب البعث بفعل تداعيات استفتاء استقلال الإقليم الذي أجري في سبتمبر الماضي ومني بفشل ذريع بسبب التصدّي الحازم لنتائجه من قبل السلطات الاتحادية العراقية بمساندة إيران وتركيا.

لكنّ الانتخابات ذاتها تمثّل – بشكل استثنائي- فرصة للقيادي المنشقّ عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني برهم صالح وزعيم “تحالف الديمقراطية والعدالة”، إذ يمكن أن تكون بمثابة جسر غير مباشر له لتولّي رئاسة الإقليم، أو مدخلا مباشرا لمنصب تنفيذي جديد في الحكومة الاتحادية التي ستتشكّل بعد الانتخابات.

ودشّن السياسي العراقي الكردي المخضرم عودة قويّة إلى واجهة الأحداث السياسية في إقليم كردستان العراق، بعد غياب شبه تام استمر نحو خمس سنوات.

وصعد نجم صالح بتشجيع من الزعيم الكردي الراحل جلال الطالباني، بعدما سخّر له جميع إمكانيات حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه الطالباني نفسه وترأسه لعقود.

وفي وقت ما، كان صالح رجل الأكراد الأول في بغداد، بشغله موقع نائب رئيس الحكومة الاتحادية، في حكومة نوري المالكي الأولى العام 2006 حيث كان مشرفا على الملف الاقتصادي. ثم أصبح المسؤول التنفيذي الأعلى (رئيس الحكومة) في المنطقة الكردية التي تتمتع باستقلال شبه تام العام 2009.

لكن مرض “مام جلال” -وهي الكنية التي يطلقها الأكراد على مؤسس حزب الاتحاد الوطني وزعيمه التاريخي- أخرج برهم صالح من دائرة الضوء.

وتسببت وعكة الطالباني التي طالت لعدة سنوات في تشكل أجنحة عديدة داخل حزبه أبرزها الذي تقوده زوجته هيرو إبراهيم، والذي يقوده رفيق درب “مام جلال” ونائبه في إدارة الحزب، كوسرت رسول، قبل أن يظهر جناح ثالث يتزعمه أحد أقارب الطالباني من الجيل السياسي الثاني وهو لاهور جنكي، الذي اكتسب قوّته من ترؤس جهازي الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في مدينة السليمانية، معقل الرئيس العراقي السابق، وحزبه.

وبين عامي 2012 و2017، كان التوتر هو السمة الأبرز في علاقة برهم صالح مع قادة الاتحاد الوطني وأركان عائلة الطالباني.

وبعد رحيل مؤسس وزعيم حزب الاتحاد الوطني في الثالث من أكتوبر 2017، بدا أن حملة منظمة أطلقتها أجنحة مختلفة داخل الحزب “تهدف إلى إعادة برهم صالح لصفوف الاتحاد أو تدميره سياسيا”.

وكانت أكبر الخلافات بين صالح وعقيلة الطالباني التي يجد فيها السياسي الكردي المخضرم تكريسا لفكرة “العائلية السياسية” التي لم يسمح زعيم الاتحاد الوطني التاريخي بصعودها.

وعمليا لم يبرز نجم قوباد ثم بافيل نجلي الطالباني، إلا بعد وفات والدهما، إذ تعرف الأوساط السياسية أن الأخير لم يكن يسمح لأبنائه بممارسة العمل الحزبي أو السياسي.

ولم تكن المهام السياسية التي تضطلع بها عقيلة الطالباني في الاتحاد الوطني الكردستاني إلا امتدادا لنشاط والدها، إبراهيم أحمد، أحد أبرز الوجوه السياسية الكردية في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

 

الانتخابات البرلمانية العراقية القادمة فرصة للقيادي الكردي المخضرم برهم صالح لتأكيد خروجه من الغيبوبة السياسية ولعب دور مؤثّر في إقليم كردستان العراق قد يصل إلى حدّ إعادة التوازن للمشهد السياسي في الإقليم بعد سنوات من رجوح ميزان القوى بشكل كبير لأربيل على حساب السليمانية.

ويبدو أن برهم صالح قرر مغادرة “الغيبوبة السياسية”، التي استمرت لسنوات، ليعلن العام 2017 عن تشكيل حزب سياسي جديد، بهدف خوض الانتخابات البرلمانية الخاصة بإقليم كردستان، ما يعني أنه سيكون في منافسة مباشرة مع الاتحاد الوطني على مقاعده في جميع معاقله الكردية.

وسبق لحزب “مام جلال” أن خسر أكثر من نصف مقاعده في كردستان بطريقة مشابهة، وذلك عندما انشق عنه السياسي الكردي البارز نوشيروان مصطفى، ليؤسس حركة التغيير “كوران” التي حازت شعبية مؤثرة في الإقليم الكردي.

وفي انتخابات برلمان كردستان، العام 2009، حصلت حركة التغيير على 24 مقعدا وحلت ثانية بعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي حصل على 38 مقعدا.

وتفوقت كذلك على الاتحاد الوطني الكردستاني نفسه حيث حل ثالثا بـ19 مقعدا من أصل 110 مقاعد. وبالرغم من أن وفاة مصطفى أثرت على شعبية الحركة، فإنها ما زالت قوة رئيسية في كردستان.

وكاد تأجيل انتخابات برلمان كردستان يؤدي لإعادة برهم صالح إلى “الغيبوبة السياسية” عندما قررت سلطات الإقليم الكردي الخاضعة كليا لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني سحب ترخيص العمل السياسي منه.

لكن إقرار موعد انتخابات البرلمان العراقي الاتحادي أعاد صالح إلى واجهة الأحداث السياسية الكردية.

وتخشى قيادة الاتحاد الوطني أن تفقد مقاعد إضافية لمصلحة برهم صالح، بعد تلك التي خسرتها لمصلحة حركة تغيير في الانتخابات العامة عامي 2010 و2014.

ولن تزيد المقاعد التي سيشغلها نواب أكراد في البرلمان العراقي القادم المكون من 329 مقعدا عن 60 مقعدا، وفقا لأحدث استطلاعات الرأي. ومع توقع أن يحافظ حزب البارزاني على عدد مقاعده التي تقارب العشرين يمكن أن تذهب نحو 10 مقاعد لكل من صالح والتغيير والاتحاد الوطني. وتختلف الاستطلاعات في ترجيح كفة أحد هذه القوى، لكن مقاعد الفائز الأول بينها لن تتجاوز 14 مقعدا في جميع الاستطلاعات.

ويستند برهم صالح إلى شعبية بناها بحكم عمله مع الطالباني، حتى أن بعض الأوساط الكردية التي تسوّق له تصفه بـ”خليفة مام جلال”.

ويقول مراقبون إن صالح ربما يتزعم جهود توحيد القوى السياسية الكردية غير المتحالفة مع البارزاني، ولا الخاضعة له، ما قد يعيد التوازن السياسي إلى إقليم كردستان العراق، بعدما اختل كثيرا بسبب انشقاق التغيير عن الاتحاد وتحوّل الحزب الديمقراطي إلى قطب سياسي وحيد في المنطقة الكردية.

وبذلك، فإن صالح لا يمثل تهديدا للنفوذ السياسي الذي يمارسه الاتحاد الوطني الكردستاني في معاقله بمدينتي السليمانية وكركوك، بل لنفوذ الحزب الديمقراطي في كل من أربيل ودهوك. وبناء على ذلك، تبدي سفارات دول مهمة في العراق، اهتماما بمتابعة التطورات المحيطة ببرهم صالح.

ويعتقد مراقبون أن صالح يضع عينه على منصب رئيس إقليم كردستان الشاغر منذ تنحي البارزاني عنه، إثر استفتاء على الاستقلال كان أجري في الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي، وجرّ نتائج كارثية على حزبه وكاد يتسبب في دخول القوات العراقية إلى مدينة أربيل.

وفي حال لم يحصل صالح على منصب رئيس إقليم كردستان، فإنه مرشح لشغل موقع مهم في السلطة الاتحادية ببغداد، بحسب مراقبين. ويصنف صالح على أنه أحد الحلفاء المحتملين لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي.

3