بروتوكولات "كويز".. التجارة في خدمة السلام في الشرق الأوسط

تمثل المنطقة الصناعية المؤهلة فرصة غير مسبوقة تتيحها الولايات المتحدة الأميركية لمصر للتمتع بنفاذ غير خاضع للضرائب والجمارك إلى سوق الولايات المتحدة الأميركية بشرط أن تكون هناك نسبة من مكونات هذه المنتجات مستوردة من إسرائيل. ويجد المصريون، في هذا الاتفاق الذي يتم التعامل به أيضا مع الأردن، فرصة أنقذت صناعة الغزل والنسيج وعززت قدرتها على الوصول إلى الأسواق الأميركية، فيما يراها الإسرائيليون كسرا غير مباشر لعزلتهم في المنطقة، أما الأميركيون فيرون في بروتوكولات “كيز” ضمانا لعملية السلام في المنطقة.
الجمعة 2017/02/03
دبلوماسية البزنس في خدمة النسيج المصري

القاهرة - لعبت الإدارات الأميركية المتعاقبة دائما على وتر ضعف الاقتصاد في المنطقة، فمنحت الدول التي تُطبّع علاقتها مع إسرائيل مزايا غير مسبوقة، ومنها حق دخول منتجاتها دون جمارك إلى الأسواق الأميركية، وذلك ضمن اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة، المعروفة اختصارا بـ”كويز”.

يشمل هذا الاتفاق بالأساس مصر التي وافقت على اتفاق المناطق الصناعية الحرة والمؤهلة، بعد نجاح هذه التجربة في الأردن، واستطاعت أن تفوز بنصيب الأسد في التصدير إلى الأسواق الأميركية، في وقت كانت فيه بحاجة إلى مثل هذا الاتفاق.

لا ينكر الخبراء أن بروتوكولات كويز، ليست تجارية عادية بل تحمل بالأساس دعما سياسيا أميركيا لإسرائيل مع دول المنطقة، أي كسرا لعزلتها بطريقة غير مباشرة؛ لكنهم يرون أيضا أن الاتفاقية أسهمت في تعزيز الاقتصاد المصري، فضلا عن الإسهام بشكل كبير في إرساء السلام والاستقرار بالمنطقة عن طريق الدبلوماسية الاقتصادية.

بدأ هذا المصطلح في الظهور على الساحة مع حلول العام 2003. وفي هذا العام بدأت المباحثات مع مصر لتدشين المناطق الصناعية المؤهلة، استشهادا بتجربة الأردن التي انطلقت في العام 1996، وحققت نجاحا كبيرا وطفرة في زيادة صادراتها للولايات المتحدة.

ووقّعت القاهرة اتفاق “الكويز” رسميا في 15 ديسمبر 2004، في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. وقام بالتوقيع عن الجانب المصري في ذلك الوقت، رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة، بينما وقّع عن الجانب الإسرائيلي إيهود أولمرت، نائب رئيس الوزراء ووزير التجارة الإسرائيلي في حينها، وروبرت زوليك، الممثل التجاري الأميركي عن الجانب الأميركي.

ما هي المناطق الصناعية المؤهلة
المنطقة الصناعية المؤهلة منطقة يتم اعتمادها من قبل الولايات المتحدة الأميركية وتتم تسميتها من قبل السلطات المحلية كمنطقة يسمح للبضائع المنتجة فيها بدخول السوق الأميركية دون رسوم جمركية وضرائب بشرط وجود مكونات ومدخلات من إسرائيل في هذه المنتجات وإنتاجها في المناطق الصناعية المعينة.

بموجب الاتفاق، يتم تصدير المنتجات المصرية مباشرة إلى السوق الأميركية دون أي رسوم جمركية، لكن شرط أن تكون 35 بالمئة من مكوناتها مصرية وإسرائيلية. واشترط الاتفاق ألا تقل المكونات الإسرائيلية في المنتجات المصنعة على أرض مصر عن 11.7 بالمئة، تم خفضها بعد ذلك إلى 10.5 بالمئة.

أكدت دراسة نشرها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وأيضا مجلة السياسة الدولية “فورين أفيرز”، وكلاهما معروف عنه أنه من أبرز الواجهات البحثية والإعلامية الأميركية التي تقوم بدور استشاري وبحثي لدى مراكز صناعة القرار الأميركي، على وجود أغراض سياسية لأميركا من وراء هذا النوع من الاتفاقيات.

وقالت الدراسة، التي أعدّها الباحث هيثم حسنين وعنونها بـ”الدبلوماسية التجارية في الشرق الأوسط”، إن “المناطق الصناعية المؤهلة”، أثبتت جدواها لصالح إسرائيل. وهي دراسة يضعها المتابعون في سياق التطورات الحاصلة منذ انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية وتأتي لتذكيره بأهمية هذه الدبلوماسية في دعم السلام.

ورغم أن إسرائيل لم تحقق سوى زيادة محدودة في صادراتها إلى مصر، إلا أن التوقيع “العلني” على الاتفاقية، جاء بمثابة خطوة إلى الأمام نحو رفع حظر الدول العربية في ما يتعلق بالتعامل التجاري “المُحرّم” مع إسرائيل.

وكانت لهذه المناطق فائدة مضافة، وفق هيثم حسنين، الذي يرى أنها أنقذت صناعة النسيج المصرية وعززت قدرتها على الوصول إلى الأسواق الأميركية، وفي الوقت نفسه نجحت واشنطن من خلالها في تعزيز السلام بالمنطقة.

وشدد على ضرورة أن تأخذ إدارة ترامب هذا النموذج بعين الاعتبار، وأن تتبنى هذه الدبلوماسية التجارية، لكي تستمر في دعم السلام طويل الأمد بين إسرائيل والبلد العربي الأكثر اكتظاظا بالسكان، الأمر الذي قد يرسخ الاستقرار في منطقة تعمّها الفوضى.

خبراء اقتصاد: إسرائيل كانت معنية بكسر الحاجز النفسي في التعامل بينها وبين الدول العربية. وبالطبع لن يكون هناك -لاكتساب “الشرعية”- أفضل من دولة عربية مثل مصر

توسيع الاتفاق

على الساحة المصرية، عاد العزف على نغمة الكويز للظهور مؤخرا، بعد نقل طارق قابيل، وزير الصناعة والتجارة المصري إلى ديفيد ثورن، كبير مستشاري وزير الخارجية الأميركي، رغبة مصر في توسيع حجم الاستفادة من الاتفاق، من خلال ضم مناطق جغرافية جديدة وإدخال منتجات أخرى في إطاره، وإن كان قد أعرب عن التطلع إلى تخفيض نسبة المكون الإسرائيلي إلى 8 بالمئة.

وشدّد الوزير على ضرورة رفع البعض من المعوقات التي تحد من نفاذ الصادرات المصرية إلى السوق الأميركية، عبر اتفاق كويز، وبصفة خاصة صادرات المحاصيل الزراعية والصناعات النسيجية، وذلك من خلال منح مصر تسهيلات في النقل الجوي لتلك المنتجات.

وكانت القاهرة في أمس الحاجة لتلك “المناطق الصناعية المؤهلة” في العام 2004 لإنقاذ صناعة الغزل والنسيج لديها، حيث كانت “اتفاقية الأنسجة المتعددة” – التي ترعى تجارة المنسوجات العالمية- قد أوشكت على الانتهاء، ما كان يعنى آنذاك، أنه سيتم قريبا فرض الرسوم على الصادرات المصرية.

ووفقا لاتحاد الصناعات المصرية ارتفعت صادرات المنسوجات والملابس الجاهزة إلى الولايات المتحدة في الأشهر العشرة الأولى من العام 2008 بنسبة 15 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام 2007، بينما تراجعت الصادرات المصرية الإجمالية بنسبة 7.5 بالمئة خلال الفترة نفسها.

واعتبارا من العام 2015، ساهمت المناطق الصناعية المؤهلة في استحداث 280 ألف وظيفة في قطاع الغزل والنسيج والملابس، وبعد أن كان عدد الشركات المرخصة من المناطق يصل إلى 397، توسعت هذه اللائحة الأولية لتضم أكثر من 700 شركة.

بتحليل بسيط لحجم صادرات اتفاقية كويز، فإن العائد الذي جنته إسرائيل من هذه الصادرات، لم يزد على 88.45 مليون دولار فقط، وهو رقم هزيل جدا، ولا يمثل للاقتصاد الإسرائيلي أي تأثير، فما هي المكاسب التي عادت عليها إذن؟

قال خبراء اقتصاد لـ”العرب” إن إسرائيل كانت معنية بكسر الحاجز النفسي في التعامل بينها وبين الدول العربية. وبالطبع لن يكون هناك -لاكتساب “الشرعية”- أفضل من دولة عربية مثل مصر، وأن تكون السوق بداية لهذا الكسر. وبالفعل تم تأسيس إحدى الشركات، كانت بمثابة الوكيل التجاري الذي يتولى استيراد الخامات اللازمة للمصانع المصرية من إسرائيل وبيعها لباقي المصدرين.

وكان لافتا، أن الولايات المتحدة، لم تشأ أن تتم علاقاتها التجارية مع مصر بشكل مباشر، ومن ثم عطلت التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة مع القاهرة، بينما سمحت بها مع الأردن مثلا، بحيث يستطيع الأردن تصدير منتجاته إلى السوق الأميركية دون الحاجة إلى وجود مكوّن إسرائيلي.

وكان واضحا أن الوضع مع مصر مختلف وأن الولايات المتحدة أرادت استمرار تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل من خلال “البزنس”، حفاظا في نهاية المطاف على مصالح حليفتها الاستراتيجية بالمنطقة وعلى عملية السلام.

دراسة تعميم المناطق المؤهلة لتشمل كل المنتجات

القاهرة، من جانبها، لم تجد بُدا من الانتفاع من اتفاق كويز وإبداء الرغبة في تطويره، ليس فقط للاستفادة من الميزة الاقتصادية التصديرية لإنقاذ اقتصادها المتعثر بل أيضا وبالتأكيد، لتحقيق أهداف سياسية داخلية، على خلفية ما يعانيه الوضع الداخلي حاليا من متاعب اقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية، وربما “عسكرية” كذلك، بالنظر إلى معركتها المحتدمة حاليا ضد الإرهاب.

وامتدادا لتلك الرؤية، فإن القاهرة تدرس حاليا أن يشمل اتفاق المناطق الصناعية المؤهلة كافة محافظات مصر، وجميع المنتجات سعيا إلى زيادة صادراتها للسوق الأميركية، بحثا عن العملة الصعبة.

وتصل صادرات مصر إلى الولايات المتحدة الآن إلى نحو 1.4 مليار دولار، 70 بالمئة منها قطن وغزل ومنسوجات وملابس ومفروشات، (بقيمة تصل إلى نحو مليار دولار).

الدخول عبر الغاز

لم تكن صناعة المنسوجات وحدها مجال التعاون، بل مثلت تجارة الغاز كذلك مدخلا مهما في هذا السياق، إذ تم مؤخرا توقيع اتفاق بين إحدى الشركات المصرية وإسرائيل لاستيراد الغاز الإسرائيلي.

ويعتبر علاء عرفة، رجل الأعمال المصري الشهير، واحدا من أهم المؤسسين لاتفاقية كويز، وهو صاحب مجموعة شركات تعمل في قطاع الملابس الجاهزة والمنسوجات.

وكانت علاقات عرفة، الذي شغل رئاسة المجلس التصديري للملابس الجاهزة لعدة سنوات، مع الجانب الإسرائيلي متشابكة، وامتدت لتشمل صفقات أخرى خارج قطاع الملابس والمنسوجات.

ودخل عرفة إلى قطاع الطاقة، بعد أن أسس شركة “دولفينوس هولدينغ ليمتد”، التي وقعت اتفاق استيراد الغاز من حقل تمار الإسرائيلي.

وذكر موقع غلوبيس، الذي يعد منتدى الأعمال للشركات الإسرائيلية، أن مذكرة التفاهم تم توقيعها مع شركة دولفينوس القابضة المصرية، التي تضم كونسرسيوم من كبار مستهلكي وموزعي الغاز في المجالات الصناعية والتجارية غير الحكومية.

وقال جدعون تدمر، رئيس مجلس إدارة ديليك للحفر والرئيس التنفيذي لمجموعة أفنير، إن هذا الاتفاق وسلسلة الاتفاقيات التي تمت لتوريد الغاز الطبيعي للسلطة الفلسطينية والأردن، سوف تؤدي جميعا إلى تعزيز علاقات إسرائيل مع جيرانها.

وهكذا تصدر إسرائيل الغاز حاليا إلى مصر، بعد أن ظلت لأكثر من عشر سنوات، تعتمد على استيراد 40 بالمئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من مصر. وتم توقيع اتفاق استيراد إسرائيل للغاز المصري في 2005، بعد عام واحد فقط من توقيع اتفاقية كويز.

وبموجب مذكرة التفاهم بين دولفينوس وإسرائيل يتم تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر، باستخدام خط أنبوب الغاز الذي كانت مصر قد شيدته لتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل والأردن، وذكرت وكالة رويترز، أن الخبراء قدروا قيمة الاتفاق الجديد بنحو 4 مليارات دولار.

وبالتالي فإن المناطق الصناعية المؤهلة “كويز”، عادت في الحقيقة بالمنفعة على الجانب الإسرائيلي بشكل كبير، حيث سهّلت عليها القيام بأعمال تجارية مع الدول العربية، وهو الأمر الذي على الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانتباه إليه في سياق تصريحاته ومواقفه المثيرة للجدل بشأن اتفاقيات التجارة الحرة.

كاتب مصري

7