بروح مقاتل شجاع، وضحكة منتصر

الخميس 2015/05/07

أصل إلى مقر عملي، بعد معاناة شديدة مع القطارات المتأخرة، أو التي لم تأت أصلا. أرمي بكل ما في يدي، وبجزء من ملابسي، تتعدى أحيانا المعطف إلى الجاكيت أو التي شيرت الذي تحته، وأتجه مباشرة إلى جهاز القهوة في آخر القاعة، أجلب قهوة وكأس ماء وأجلس لبعض الوقت وراء مكتبي من دون حركة، أنظر إلى الكأسين الملآنتين، وأنتظر أن تهدأ نفسي ويجف عرقي لأمد يدي وأبدأ في ارتشاف النهار على مهل وبمحبة.

المسافة بين بيتي وعملي، ساعاتان وربع بالقطار، ذهابا، ومثلها إيابا. أقطعها منذ سنوات بلا ملل أو كلل أو شكوى. زملاء آخرون يأتون من أماكن أبعد. وزميلات يعانين من نفس الظروف وأكثر.

المشكلة ليست في الساعتين أو القطارات التي تتأخر أو في ضرورة الالتزام بمواعيد العمل حسب القوانين الأوروبية التي لا تسمح بالكثير من التسيب، لكن في وجود أطفال يحتاجون الرعاية، في ظل ظروف كهذه. هنا تصبح المسؤولية صعبة والمهمة معقدة. فمثلا الأطفال يلتحقون بالمدرسة في الساعة الثامنة صباحا، في حين أنني ملزمة بمغادرة البيت في السابعة على أقصى حد لأصل إلى عملي في الوقت المحدد!

أخرج من البيت في السابعة وأعود إليه في السابعة كل يوم. وقبل السابعة وبعد السابعة أحاول أن أنهي التزاماتي تجاه الطفلين، بالقدر الذي يسمح به الوقت والجهد. أما الشعر والحب والحياة فأسرقهما سرقة!

كثيرا ما سألني أحدهم: ما الذي يجبرك على هذا الوضع؟ وجوابي يكون عادة أن مهنتي تفرض علي هذا الماراتون اليومي المعقد. تعودت على لهاثي حتى صرت أكره نفسي المنتظم ودقات قلبي الهادئة. وتعودت على سرقة السعادة حتى صرت لا أستسيغها لو أهديت إلي من أحدهم، أو وجدتها متاحة مبتذلة.

نساء كثيرات كن ربما سيخترن وظيفة أخرى، أو دواما أقل أو حياة أسهل، أو رجلا يحمل جزء من العبء، لكنني أحب حياتي كما هي ولا أرضى عنها بديلا، حياة المتعة الصعبة!

الطفلان متفوقان في الدراسة، جميلان، مندمجان وناجحان، وأنا أحب وأكتب الشعر في القطار، وأمارس الحياة في أي لحظة وفي أي مكان. أحيانا أبحث عن كأس قهوتي الذي أعددته منذ قليل لنفسي، ولا أجده، بعد معاناة طويلة من تفتيش غرف البيت والدرج والحديقة، أجده على أرضية الحمام!!!

أتعشى مرة أو مرتين في الأسبوع فوق الدراجة الهوائية في طريقي من محطة القطارات إلى البيت، أشتري مثلا قطع الدجاج المحمر، أعلقها في مقود الدراجة، من حين لحين أدخل يدي، أسحب قطعة وآكلها، عشاء بطعم ورق الأشجار المتساقطة على رأسي ورائحة ولون الماء الأزرق، على جانبي الطريق. ربما هو الأعسر على المعدة، لكن طاحونة الحياة قادرة على ابتلاع أي شيء، فالعجلات فيها تدور بلا توقف والريح تسابق نفسها.

يوم 1 مايو الذي هو عيد العمال، أتذكر كل هذا وأقول: هناك ما هو أصعب من ظروف العمل السيئة، ومن أجور تحت الحد الأدنى، ومن تمييز بين الذكر والأنثى في مواقع العمل: هناك حياة الأمهات العاملات، اللاتي يعانين من كل هذا ربما، ينضاف إليه مسؤوليات البيت والعائلة والزوج والأطفال. ومع ذلك يحببن الحياة ويملأن رئة العالم سعادة وانطلاقا وثقة في المستقبل. تحية لكل امرأة تواجه مشقة الحياة وأعباء العمل بروح مقاتل شجاع، وضحكة منتصر.

21