برودة الدبلوماسية القطرية في أوروبا

فشلت الدوحة في أن تجد لها آذان قوية صاغية ومقتنعة بصحة ما تنفيه بخصوص علاقاتها بجماعات متورطة في أعمال إرهابية ومساندتها لتيارات الإسلام السياسي، بل إن الأزمة بينها وبين دول الخليج العربي كلما طالت توسعت رقعة الغاضبين من قطر وسياستها التي جعلت الأزمة تتخطى بعدها الإقليمي لتتحول إلى قضية دولية عنوانها الرئيس الحرب على الإرهاب ومسبباته وداعميه؛ وهو أمر لن تجد الدوحة مساندين لها فيه غير حليفين يسلكان نفس الدرب تركيا وإيران.
الثلاثاء 2017/06/13
تبريرات غير مقنعة

لندن - لا يمكن إلا الإقرار بأن النزاع داخل مجلس التعاون الخليجي، والذي أدى إلى هذه القطيعة غير المسبوقة بين السعودية والبحرين والإمارات من جهة، وقطر من جهة أخرى، يتجاوز حدود دول مجلس التعاون الخليجي باتجاه فضاءات إقليمية ودولية بعيدة. فالمنطقة تعتبر من الأغنى في العالم، وهي خزان أساسي لسوق الطاقة في العالم، كما أن موقعها الجيواستراتيجي يجعلها محطّ أنظار عواصم الغرب كما عواصم الشرق.

وقد استشعر العالم أجمع جسامة الأزمة الخليجية الراهنة واختلافها في الشكل والمضمون عن تلك التي نشبت عام 2014. واستنتجت منابر القرار الدولي جدية الغضب الذي تعبر عنه العواصم الخليجية من سلوك قطري بات من الصعب السكوت عنه، لما يسببه من ضرر على استقرار وأمن وحدة المجموعة الخليجية.

لكن هذه العواصم أدركت، من خلال هذه الأزمة، الفرق بين ما ينتهجه الخليجيون من عزم على مكافحة الإرهاب الذي يدمر منطقة الشرق الأوسط وشعوبها ويفتك بنسيجها الاجتماعي، وبين ما تنتهجه هذه العواصم من إصدار لتقارير ما انفكت تتهم قطر بدعم الجماعات الإرهابية دون أن يستتبع هذه التقارير تدابير حقيقية رادعة لسلوكيات نظام الحكم في الدوحة.

تعتبر مراجع خليجية مطّلعة أن دول الخليج حين أعلنت قطع علاقاتها مع قطر، اعتبرت أن الأمر يتعلق بالبيت الخليجي، وأن أسباب الخلاف خليجية-خليجية ما انفكت العواصم الخليجية تحاول معالجته بالأدوات التي توفرها التقاليد الخليجية، وأن قرار الرياض والمنامة وأبوظبي اعتمد على خلفية مجلس التعاون الخليجي وترسانته القانونية، ولم يستند على ما توفره المحافل الدولية الكبرى. وتضيف هذا المراجع أن الحرج الذي أصاب النظام السياسي القطري وعجزه عن مواجهة حقائق هذا النزاع وحيثياته المعروفة، جعله يتهرب من مواجهة المشكلة والفرار باتجاه طرق أبواب دول العالم وادعاء مظلومية مزعومة لا تنطلي حكايتها مع ما تعرفه أجهزة المخابرات الدولية عن أنشطة الدوحة المشبوهة.

ضجيج مفتعل

تكشف مصادر دبلوماسية خليجية أن الخلاف الخليجي مع قطر شفاف في منطلقاته وخلفياته وقد ظهر للعالم جانب كبير منه عام 2014، وأن الضجيج الذي تحاول الدوحة إثارته مع دول العالم قوبل ببرودة لافتة تتسق مع الموقف الحقيقي الدولي من سياسات قطر في مساندتها للإسلام السياسي والجماعات الجهادية ووقوفها خلف جماعات الإخوان المسلمين في المنطقة والعالم.

الضجيج الذي تحاول الدوحة إثارته مع دول العالم قوبل ببرودة لافتة تتسق مع الموقف الحقيقي الدولي من سياسات قطر

وترى هذه المصادر أن العالم منزعج من هذا النزاع ومتخوّف من إمكانية تطوره وتأثيره على جهود مكافحة الإرهاب كما تأثر الأسواق الدولية به.

والظاهر أن قطر تحاول أن تلعب على هذا القلق الدولي في محاولة لاستيراد حماية دولية تقيها غضب البيت الخليجي، وهو ما يتسق تماما مع فلسفة الأدوار التي لعبتها الدوحة والجاهزة دوما للعبها خدمة لأجندات هذا العالم على اختلاف مشاربه وهويّاته.

وتؤكد مصادر دبلوماسية أوروبية أن المواقف الصادرة والتي ستصدر عن العواصم الغربية لم ولن تتجاوز إطار الدعوة إلى الحوار والحل السلمي، بما يرسل إشارات واضحة إلى الدوحة أن الحل يكمن داخل البيت الخليجي، وأن على قطر الاستجابة الفورية لمطالب الخليجيين التي تدعو إلى قطيعة قطرية كاملة مع ورش الفوضى والإرهاب والتطرف في العالم أجمع، والاتساق الكامل مع سياسة وثقافة وتقاليد وروحية العمل الجماعي الخليجي.

ولاحظت أوساط إعلامية أن الجولات الخارجية الأخيرة لوزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني تدور على تكرار أطروحات حول “الفبركة” و”الاتهامات الباطلة” و”استعداد الدوحة للحوار”… إلخ، وكأنت قطر فقدت الأمل في أيّ دعم دولي لموقفها، وباتت تستجدي تعاطفا قد يواكب تراجع قطر المحتمل عن سياساتها السابقة تعذرا بضغوط دولية شاملة، غربا وشرقا.

موقف أوروبي مساير للمزاج الخليجي

لفت المراقبون إلى تصريحات وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بعد استقباله لنظيره القطري، الإثنين، حين قال “أدعو قطر إلى أن تأخذ بجدية مخاوف جيرانها وتفعل المزيد للتصدي لدعم الجماعات المتطرفة ومواصلة العمل على مواجهة تمويل هذه الجماعات”، بما اعتبر إدانة لقطر وملاقاة لتصريحات وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، الأحد، الذي أكد فيها “استعداد الأشقاء في قطر لتفهم حقيقة هواجس ومشاغل أشقائهم والتجاوب مع المساعي السامية تعزيزا للأمن والاستقرار”.

جولات وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني تكرر الأطروحات حول "الفبركة" و"الاتهامات الباطلة"

وتقول هذه المصادر أن كافة الدول التي طرقت الدوحة أبوابها استمعت إلى وجهة النظر القطرية دون أي مفاجأة، ولم تقدم على اتخاذ أي مواقف مغايرة للمزاج الخليجي الجديد في الحسم مع “الحالة” القطرية.وتضيف المصادر أن موقف برلين الذي وجدته الدوحة مؤيدا لها لا يعدو كونه مناكفة بين الحكومة الألمانية بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل والرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيا، وأن مراجع ألمانية أبلغت الدول الخليجية حياد ألمانيا الكامل في هذه الأزمة وإدراك برلين للتقارير المخابراتية الألمانية التي أشارت سابقا إلى اشتباه بدور قطري في دعم الإرهاب في العالم.

ويكشف خبراء أوروبيون في شؤون الجماعات الإرهابية أن الأجهزة البريطانية والفرنسية تمتلك معلومات كاملة عن الدور القطري في التواصل مع هذه الجماعات وتعرف دور قناة الجزيرة في تبييض سمعة القيادات الجهادية في ليبيا وسوريا واليمن والعراق… إلخ، كما دور الإعلام القطري في “أنسنة” وجوه الإرهاب ووسمها بصفات نضالية حوّلتها مثالا يحتذى للعناصر الإرهابية التي نفذت عملياتها داخل المدن والاحياء الأوروبية في السنوات القليلة الماضية.

ويسلط هؤلاء الخبراء المجهر على حملات قام بها سياسيون فرنسيون ضد الدور الذي تلعبه قطر في ضواحي المدن الفرنسية الكبرى لدى الجاليات المسلمة في فرنسا، ناهيك عن وظيفة الاستثمارات القطرية الكبرى في توسيع نفوذ الشبكات الإسلاموية في هذا البلد.

موقف أوروبي صارم

يرى محللون سياسيون غربيون أن تواصل قطر مع بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى لن يغيّر من موقف هذه الدول التي باتت تعتبر أن مكافحة الإرهاب داخل هذه البلدان يتطلب حزما مع شبكات التمويل والدعم اللوجيستي التي يشتبه بتورط قطر في توفيرها، وأن هذه الدول تعتبر أن الموقف الخليجي مشروع وهو فرصة نهائية للقطع مع سلوكيات قطرية طال غض الطرف عنها كثيرا.

وتضيف هذه الأوساط أن زيارة وزير الخارجية القطري إلى لندن وباريس يعكس تخبطا واضحا في اختيار التوقيت المناسب لتحقيق انجاز ناجع. فبريطانيا تعاني من تضعضع سياسي على مستوى الحكم منذ الانتخابات التشريعية، الخميس الماضي، والتي قوضت شعبية رئيسة الحكومة تيريزا ماي وموقع لندن على المستويين الأوروبي والدولي، بما يجعل أولويات بريطانيا بعيدة عن تلك التي يحملها الوزير القطري. أما فرنسا فقد أنهت الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية، الأحد، والتي حملت ماء كثيرا إلى طاحونة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي سبق وأن انتقد الدور القطري في فرنسا وشكك في تأثيراته السلبية على النسيج الاجتماعي الفرنسي كما على أمن القوات الفرنسية العاملة في أفريقيا.

ويرى باحثون عرب أن موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع سقفا دوليا صلبا للنزاع، وأن المواقف الصادرة عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية فرض إطارا لأي حل لا يتجاوز إرادة الخليجيين وخريطة الطريق التي يفرضونها لأي تسوية أو حل. ويلفت هؤلاء إلى أن الموقف الروسي أتى متوافقا مع الموقف الأميركي في الشراكة التي يعملون على ارسائها ضد الإرهاب في العالم، وأن المواقف التي صدرت عن موسكو أكدت نأيا كاملا بالنفس عن النزاع الخليجي-الخليجي وعدم التورط بأي وساطة قد تفهم منها الدوحة استقواء يعقّد من احتمالات أي حلّ محتمل.

وتكشف أوساط أميركية قريبة من كواليس البيت الأبيض والبنتاغون، أن الحراك الأميركي يهدف إلى دعم الوساطة الكويتية والتعويل عليها وحدها للوصول إلى التسوية التي ينشدها العالم لإنهاء الأزمة الخليجية. وتقول هذه الأوساط إن موقف الرئيس الأميركي أتى ليزوّد الوسيط الكويتي بمواقف مبدئية حازمة تُفهم الجانب القطري بمحدودية هامش المناورة، وأن أنشطة الدوحة الدبلوماسية وحركة وزير الخارجية القطري لن تعدو عن كونها خبرا آخر داخل نشرات قناة الجزيرة.

7