بروز التنسيقيات الاجتماعية يمهّد لتراجع دور الأحزاب والنقابات في تونس

مستشار رئيس الحكومة: تثبيت التنسيقيات سيُعيد البلاد إلى العصر الحجري.
السبت 2020/12/05
معركة فرض الوجود كصوت مسموع

طغى على المشهد السياسي والاجتماعي في تونس ظهور فكرة “التنسيقيات الاجتماعية” (التلقائية)، التي تركت الأحزاب جانبا وأصبحت تحدد اتجاه بوصلة التفاوض مع الحكومة والسلطات، في خطوة تكشف تهميش دور الوسائط المفاوضة من أحزاب ومنظمات وطنية.

تونس - وضعت التنسيقيات الجهوية المحتجين في مختلف أنحاء تونس في تواصل مباشر مع السلطة، عبر التفاوض والجلوس إلى طاولة الحوار لتحقيق مطالب عديدة تتعلق بالتشغيل والتنمية، وتعاظم دور التنسيقيات مع توسّع رقعة الاحتجاجات كبديل للأحزاب والنقابات خصوصا وأن الحكومات المتعاقبة أظهرت أنها لا تستجيب للمطالب إلا بالاعتصامات والإضرابات.

وحذر المستشار لدى رئيس الحكومة المكلف بالملفات الاجتماعية سليم التيساوي الجمعة، من ترسّخ فكرة التنسيقيات كبديل عن نسيج مجتمعي سياسي حزبي، معتبرا أن ذلك سيعيد البلاد إلى الوراء وإلى ما أسماه بـ”عودة إلى العصر الحجري”.

وأضاف التيساوي في تصريح لإذاعة محلية “آن الأون للجميع من أحزاب ومنظمات وشخصيات وهيئات وطنية يفترض أنها تمثل أوسع قطاعات ممكنة في المجتمع لإعادة النظر في أسلوبها في التعامل مع مشكلات الواقع وأولويات المرحلة”.

وأكد أنه إذا لم يحصل هذا فإن فكرة التنسيقيات ستترسخ كبديل عن نسيج مجتمعي سياسي حزبي، متابعا “ما نريده هو أن يكون مجتمعنا منظما ومهيكلا وله من يمثله” معتبرا أن “أشكال التنظّم في تنسيقيات رجوع إلى الخلف”، ومشددا على أنه “من المفروض في حركة تطور مجتمعي أن يتم تأسيس أحزاب ومنظمات وازنة تكون لها مصداقية لدى الناس وعلى أن التوجه عكس ذلك يعني العودة إلى العصور الحجرية”.

وأشارالتيساوي إلى أن حالة الاحتقان والتوتر التي تشهدها عديد الجهات والقطاعات أصبحت حالة مزمنة في تونس لازمت السنوات الأخيرة، مؤكدا أنه “إذا لم يحصل عمل في العمق لإعادة هيكلة الوضع العام بالبلاد خاصة على المستويين الاقتصادي والسياسي فإن البلاد ستواصل إنتاج نفس الظواهر”.

عبدالعزيز القطي: التنسيقيات نتاج لخيبة أمل المواطن في الطبقة السياسية
عبدالعزيز القطي: التنسيقيات نتاج لخيبة أمل المواطن في الطبقة السياسية

وأشار إلى أن الجديد في التحركات الاحتجاجية هو ظهور التنسيقيات بشكل وصفه بـ”الملفت والمتزامن” وإلى أن ما يهمه دون الدخول في نظرية المؤامرة في إطار إصلاح الوضع بشكل هيكلي على مستوى البلاد، أن تعيد المنظمات والأحزاب وغيرها من الهيئات التي لها تمثيلية، أسلوبها في التعامل مع مشكلات الواقع وأولويات المرحلة، محذرا من أن عدم حصول ذلك سيؤدي إلى ترسّخ فكرة التنسيقيات.

وولد نشاط التنسيقيات، وهي لجان شعبية تلقائية، في ولاية (محافظة) تطاوين جنوب البلاد على خلفية تحرّك واسع قادته “تنسيقية اعتصام الكامور”، للمطالبة بالتنمية والتشغيل في حقول النفط  والغاز.

ويرى مراقبون أن التنسيقيات جاءت لتزيح دور من كانوا يضطلعون بمهة التفاوض بين المحتجين والسلطة (أحزاب ونقابات)، فضلا عن تراجع دور المجتمع المدني من منظمات وجمعيات ونشطاء كمدافعين رئيسيين عن المطالب الشعبية.

وأفاد المحلل السياسي عبدالعزيز القطي، “أن التنسيقيات تعبير عن عدم القدرة على التأطير على مستوى الأحزاب، وتبرز ضعفا في الدولة وعدم قدرتها على تلبية الحاجيات اليومية للمواطنين بطريقة استباقية، خصوصا للشباب المعطل عن العمل بعد ارتفاع نسبة الفقر وتدهور الطبقة الوسطى”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “ظهرت في ظل العجز السياسي والاقتصادي والمالي وغياب هيمنة الدولة وقدرتها على أخذ القرار، وهي تشكيلات مجتمعية للتعبير عن حالة من الاحتقان ولها سلطة القرار”.

وتابع “هي نتاج لفشل الأحزاب وخيبة أمل المواطن في الطبقة السياسية، وفقدان الثقة في النائب والمسؤول، ما مكنها من الأخذ بزمام الأمور”.

ناجي الزعيري: تخلي المنظمات عن دورها فسح المجال لهذه التنسيقيات
ناجي الزعيري: تخلي المنظمات عن دورها فسح المجال لهذه التنسيقيات

وتتخوف الأوساط التونسية من الانسحاب التدريجي للقوى الفاعلة كالمنظمات التاريخية (الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية..) والنقابات التي من ورائها، وعجزها عن إيصال صوت المهمشين والمفقرين والدفاع عن حقوقهم المهنية والتنموية، فضلا عن مهمة مكونات المجتمع المدني في تأطير المطالب في مختلف أبعادها.

وأكد المحلل السياسي ناجي الزعيري في تصريح لـ”العرب”، “أن التنسيقيات تبدو وكأنها حركة تلقائية وحل التجأ إليه الأهالي والمحتجون لمطالبة الحكومة بالتنمية والتشغيل، ويبقى مجرد تشكيلها وقيامها بهذا الدور هو دليل على فراغ في تأطير الاحتجاجات”.

وأضاف “كان يفترض على بعض الأطراف النقابية أن تلعب دورها في التأطير كاتحاد الشغل باعتباره منظمة عريقة، علاوة عن دور الأحزاب التي كان عليها أن تبادر بالإنصات للمحتجين.. تخلي الأحزاب والمنظمات عن دورها فسح المجال لظهور هذه التنسيقيات”.

وطالب الزعيري “بأن يلعب الاتحاد دوره وأن يكون موجودا ويكثف حضوره حتى لا تذهب الأمور إلى منعرجات خطيرة، لأننا نخشى من الانفلات وغلق مواقع الإنتاج”.

ويذهب البعض إلى أن فكرة التنسيقيات جاءت مع الرئيس قيس سعيد المتبني لمقولة “الشعب يريد”، التي رفعها خلال الانتخابات الرئاسية، كرجل قاطع مع فكرة الانتماء الحزبي، ومنقذ للشباب من براثن البطالة والفقر بتصورات جديدة تكرس تفعيل دور المواطن في تحديد الفكرة والمشروع والمصير. في المقابل ترى أطراف أخرى أنها ليست جديدة وظهرت منذ سنة 2011، وكان يحضرها عناصر في الاتحادات الجهوية للشغل ورابطة حقوق الإنسان لاحتوائها وتأطيرها.

ونشأت أولى التنسيقيات في تطاوين جنوب البلاد، وسميت بـ”تنسيقية اعتصام الكامور”، طالبت الحكومة بتنفيذ الاتفاق القاضي بتنفيذ مطالب التنمية والتشغيل بالجهة. وتعهدت الحكومة بموجب هذا الاتفاق بتوفير المئات من الوظائف في شركات حكومية وبترولية، إلى جانب إنشاء شركات جديدة لاستيعاب العدد الكبير من العاطلين عن العمل في هذه المحافظة الفقيرة.

وبعد توقيع الاتفاق بين الحكومة وتنسيقية الكامور، سرعان ما تحركت العشرات من المدن والقرى التونسية الأخرى، على غرار قابس والقيروان وباجة وقفصة وصفاقس والقصرين، للمطالبة بتحسين الأوضاع التنموية وتشغيل العاطلين.

وفي محافظة قابس (جنوب)، تقود “تنسيقية اعتصام الصمود2” تحركا احتجاجيا واسعا أدّى إلى أزمة واسعة في التزوّد بالغاز بمعظم مناطق الجنوب التي تتزود بهذه المادّة الحيوية من منشآت المدينة.

وفي ولاية القصرين (وسط)، تواصل “تنسيقية اعتصام الدولاب” اعتصامها أمام مقر شركة نفطية بمنطقة العيون للمطالبة بتحسين الوضع التنموي.

وبينما تطالب أطراف بعينها بالمزيد من تفعيل دور المنظمات والأحزاب لتلعب دور الوساطة بين المحتجين وممثلي السلطة، يلقي البعض مسؤولية ما يحصل على الحكومات المتعاقبة التي سعت بطريقة أو بأخرى إلى تجاهل دور المجتمع المدني ومكوناته، ما أدى إلى ضعف نتائج التحركات الاجتماعية والنقابية التي قادتها المنظمات الوطنية.

4