بروز ملامح لوبي فساد عابر للطائفية في العراق

الطبقة السياسية الحاكمة في العراق منذ سنة 2003 والغارقة في فسادها وطائفيتها، تبدي فجأة قدرة على تجاوز الاعتبارات الطائفية حين يتعلّق الأمر بتحصيل المنافع بطرق غير مشروعة والدفاع عن المناصب والمكاسب. وذلك ما تأكّد عمليا من خلال فضيحة الفساد الكبرى التي تفجّرت مؤخرا على هامش استجواب وزير الدفاع أمام البرلمان.
السبت 2016/08/06
إلى متى يستطيعان الصمود بوجه التيار الجارف

بغداد - تجاوزت الشخصيات والأطراف السياسية والنيابية العراقية المتهمة من قبل وزيـر الدفاع خالد العبيدي خلال جلسة استجوابه الإثنين الماضي أمام البرلمان، مرحلة الصدمة واستيعاب تأثيرات “الضربة الأولى” وبدأت تجمع صفوفها لشنّ هجوم معاكس على الوزير ما يوحي ببداية معركة سياسية طويلة و”دامية” ستستخدم فيها مختلف الأدوات من مال ونفـوذ وأذرع إعلامية.

وبدأت ملامح الاصطفاف في هذه المعركة تتضح بين وزير الدفاع السني المدعوم من ثلاثة أطراف شيعية ممثلة برئيس الوزراء حيدر العبادي والتيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر والمجلس الأعلى الإسلامي بقيادة عمار الحكيم، من جهة، ورئيس البرلمان سليم الجبوري السني أيضا والمدعوم من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الشيعي ومن جهات شيعية أخرى.

وتكمن أهمية معرفة الخلفية الطائفية لأطراف الصراع الجديد في العراق، في أنها تكشف عن أن المجال الوحيد الذي تستطيع الطبقة السياسية العراقية تشكيل تجمعات عابرة للطائفية فيه، هو مجال الدفاع عن المصالح والمكاسب والمناصب ومواجهة الخصوم وإن باستخدام حلفاء من طائفة أخرى.

ويتعلّق الأمر أيضا بإمكانية تأسيس شبكات فساد عابرة للطائفية “يتضامن” من خلالها الفاسدون سنة وشيعة من أجل تحصيل أكبر قدر ممكن من المنافع بطرق غير مشروعة والدفاع عنها لاحقا.

وينطبق الحال بدقّة على قضية الفساد المتشعبة التي أثارها وزير الدفاع العراقي، حيث ينتظر أن تتجاوز المعركة الناشبة بسببها القسمة التقليدية السائدة في العراق منذ سنة 2003 بين سنة وشيعة؛ إذ يشعر عرابو نظام المحاصصة والمنتفعون من استمرار ذلك النظام بأن ما ورد من اتهامات على لسان وزير الدفاع سيطيح بالكثير من الرؤوس، وهي رؤوس سيقود سقوط أصحابها إلى حدوث خلل في التوازنات القائمة على أساس تقاسم الغنائم. لذلك قفز المعنيون بالأمر على الحواجز الطائفية مستعينين بمصالحهم المشتركة التي قد تتعرض للانهيار.

وبحسب مراقبين فإن مثل هذه التحالفات تكشف عن أن نظام المحاصصة في العراق هو في حقيقته مجرد غطاء تتقاسم تحته أحزاب وكتل بعينها مواقع النفوذ التي تسهل لها الحفاظ على منافعها ومكاسبها الخاصة، ناهيك عن أن معظم تلك الأحزاب قد تم تلفيقه بعد الاحتلال الأميركي للعراق ولا يملك أي رصيد شعبي ولا جذورا تاريخية. وهو ما يؤكد أن تلك الأحزاب تأسست بناء على حاجة أميركية لإقامة نظام بديل عن النظام الذي تم إسقاطه بالقوة.

وعلى هذه الخلفية بدأت في بغداد سلسلة اجتماعات تعقد بعيدا عن الأضواء بين نواب ينتمون إلى الحزب الإسلامي وكتلة “الحل” التي يرأسها جمال الكربولي، مع زملاء لهم يمثلون حزب الدعوة بقيادة نوري المالكي ومنظمة بدر بقيادة هادي العامري، لبلورة موقف سياسي ونيابي جديد في كيفية التعاطي مع الوزير خالد العبيدي بعد اعترافاته المثيرة التي أدلى بها خلال جلسة استجوابه المذكورة، واتهم فيها رئيس البرلمان سليم الجبوري وعددا من النواب بممارسة ابتزاز وضغوط عليه للاستحواذ على عقود وصفقات تسليحية وعسكرية خاصة بالجيش العراقي.

يشعر المنتفعون من نظام المحاصصة بأن ما ورد من اتهامات على لسان وزير الدفاع سيطيح بالكثير من الرؤوس

ونقل مراسل وكالة العباسية نيوز في العاصمة العراقية، عن مصادر مطلعة في ائتلاف “متحدون” الذي ينتمي إليه وزير الدفاع، أن عددا من نواب الحزب الإسلامي وكتلة “الحل”، عقدوا لقاءات مع نواب ائتلاف دولة القانون ومنظمة بدر في منزل رئيس البرلمان بالمنطقة الخضراء، كرس للبحث في تداعيات ما كشف عنه العبيدي وانعكاساتها على العملية السياسية.

وحسب المعلومات التي توفرت لائتلاف “متحدون”، أجمع المجتمعون على إيجاد طريقة قانونية ودستورية لإقالة العبيدي، من بينها سحب الثقة منه برلمانيا في المنظور القريب لتلافي حصوله على شعبية متزايدة، مع ممارسة ضغوط على رئيس الحكومة حيدر العبادي لفك ارتباطه به وعدم التمسك به.

وعبرت مصادر في ائتلاف “متحدون” عن تفهّمها لاتخاذ الحزب الإسلامي وكتلة الحل موقفا عدائيا من العبيدي بعد فضحه ممارسات نواب منهما، غير أنها عبّرت عن استغرابها الشديد من اندفاع ائتلاف دولة القانون إلى المشاركة في مثل هذه الاجتماعات والانسجام السياسي مع طروحات الحزب الإسلامي (ممثل جماعة الإخوان المسلمين في العراق)، خصوصا أن رئيس الائتلاف نوري المالكي كان إلى وقت قريب يتهم الجبوري بدعم خصومه الشيعة والضلوع في عملية إبعاده عن الولاية الثالثة رغم التفاهمات التي جرت بينهما قبل تطور الأحداث وذهاب رئاسة الحكومة إلى حيدر العبادي.

وفي السياق ذاته كشف النائب فائق الشيح علي من التحالف الديمقراطي في تصريحات صحافية نشرت في بغداد، أن البرلمان يدرس الآن خيارين هما: إقالة وزير الدفاع، أو إقالة سليم الجبوري، مؤكدا أن الخيار الأول يحظى بأغلبية النواب.

ويتفق البعض من النشطاء والمراقبين السياسيين، على أن تنسيق حزب الدعوة ومنظمة بدر مع الحزب الإسلامي وكتلة بدر، لحشد النواب وتعبئتهم لإقالة العبيدي، ينطلق من أن الحزب يخشى الكشف عن ملابسات احتلال داعش لمدينة الموصل في يونيو 2014 ودور رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في سحب الجيش والقطعات العسكرية من المدينة، فيما تتخوف منظمة بدر من إجراءات لاحقة تقود إلى استدعاء وزير الداخلية السابق محمد سالم الغبان أو استجوابه بشأن ملفات فساد في الوزارة التي شغلها قرابة عامين.

3