"بروكار 2" دراما تكشف نوايا المستعمر الخفية لسرقة التراث السوري

البيئة الشامية تُسقط الماضي على الحاضر.
السبت 2021/02/27
من أجواء تصوير الجزء الثاني من "بروكار"

تتعمّد بعض المسلسلات السورية الذهاب بعيدا نحو آفاق فكرية وفنية مختلفة، محاولة تقديم المزيد من العوالم والأفكار التي لم يتم تداولها دراميا من قبل، وضمن هذه الأجواء عرض في العام الماضي مسلسل “بروكار” الذي مثّل إضافة نوعية في مجال دراما البيئة الشامية، جعلته يحظى بمتابعة جماهيرية خاصة، وهو الذي سيظهر في الموسم الرمضاني المرتقب بجزء ثان جديد. فماذا عنه وعن آفاق ما قام به من تغيير؟

دمشق - يحفل المشهد الدرامي السوري هذا العام بأكبر عدد منتج في تاريخه من أعمال البيئة الشامية التي تشهد رواجا كبيرا لدى المُشاهد العربي، حيث من المحتمل أن يبلغ عددها الخمسة عشر.

ومن أحد أهم هذه الأعمال المنتظرة في رمضان المرتقب، يحل مسلسل “بروكار” في جزء ثان، وهو العمل الذي حقّق نجاحا جماهيريا ملحوظا في جزئه الأول.

ويقدّم مسلسل البيئة الشامية أحوال دمشق أواسط أربعينات القرن العشرين أثناء الحرب العالمية الثانية والحالة السياسية الحارقة التي كانت موجودة حينها. والتي عانت فيها البلاد من بطش قوى الاحتلال الفرنسي وتكاتف جهود القوى السياسية والعسكرية لمقاومتها.

عقدة درامية

حاول كاتب المسلسل سمير هزيم في أولى تجاربه في مجال البيئة الشامية أن يضع خطوطا جديدة ضمن هذا الشكل الدرامي. فصرّح للإعلام بأنه لم يكن يريد أن يكتب شيئا تقليديا، لكنه وضع نصا بيّن فيه مطامع الاستعمار وقوى الاحتلال في سرقة تراث واقتصاد سوريا، والأمر ذاته ينسحب على كافة الشعوب العربية، من خلال وجود مهندس صناعي فرنسي تغلغل في أحياء دمشق كي يتعرّف على كيفية صناعة البروكار الدمشقية النادرة ومن ثم نقلها إلى أوروبا.

ولقماش البروكار المصنع من الحرير والذهب والفضة تاريخ متجذّر في دمشق يمتد لآلاف السنين، أيام كان يأتي الحرير الطبيعي الذي يُصنع منه من الصين، وقد حاول العثمانيون نقل حرفة البروكار إلى إسطنبول أثناء احتلالهم لسوريا.

لكنهم فشلوا، ثم جاء عهد الاحتلال الفرنسي، فوفد مهندس فرنسي اسمه جاكار، واطلع على أحد الأنوال الدمشقية ورسمه بالكامل، ثم أخذ المخطّطات إلى فرنسا وصّمم آلة سميت باسمه “جاكار” فصار قماش البروكار يصنع آليا، وهذا ما كاد يقضي على حرفة البروكار اليدوية الأصلية في دمشق.

وهذه الحادثة وما سبّبته من تداعيات سلبية على صناعة البروكار في دمشق والأحوال التي رافقت دخول المهندس الفرنسي إلى سوريا وسرقته أسرار المهنة، كانت المحور الأساسي الذي تناوله المسلسل السوري في جزئه الأول.

وحفل المسلسل في الجزء الأول منه بالكثير من الخطوط الدرامية التي رسّخت مفاهيم وطنية لدى الجمهور، وحاولت إلقاء الضوء على بعض التوهّجات في التاريخ السوري عصرئذ.

المسلسل يتناول حقبة غنية من تاريخ دمشق بشكل جديد وجريء، تتداخل فيه كل المكونات الاجتماعية السورية

ووصلت الأحداث في الجزء الأول من المسلسل إلى ذرى درامية عالية، خاصة عندما تكاتف عدد من شخصيات الحي ذكورا وإناثا ليقاوموا قوى الاحتلال الفرنسي فصاروا كلهم في مواجهته. الأمر الذي استدعى تجهيز قوة عسكرية لملاحقتهم والقبض عليهم، لكن أهل الحي تعاونوا لكي يحموا هذه الشخصيات الوطنية من الاعتقال وهو ما كان. فمن خلال التنقل في بيوت الحي من واحد إلى آخر استطاع هؤلاء الهرب من قوى الاحتلال.

لينتهي الجزء الأول في هذه الذروة التي صرّح كاتبه أنه سيبدأ بها الجزء الثاني من العمل حتى يسير بالأحداث إلى الأمام وليخصّ الأحوال الاقتصادية التي كانت سائدة حينها وتبعاتها على الشعب السوري، بالكثير من التفاصيل، حيث سيتطرّق إلى الحصار الذي فرضته فرنسا على الناس بغية تجويعهم وتركيعهم، وذلك في سعي من الكاتب إلى إسقاط الماضي على المرحلة الحالية التي يعيش فيها الشعب السوري حصارا اقتصاديا وظروفا معيشية بالغة الصعوبة نتيجة الحرب التي تحدث على الأرض والأجواء السياسية العالمية التي سبّبتها.

وشهدت اللحظات الأخيرة من المسلسل قبل البدء في تصوير جزئه الثاني العديد من التغييرات التي هدّدت إنجازه، حيث غابت شخصيات هامة عنه، أهمها يزن خليل الذي يجسّد دور الطبيب عصمت، والذي سيحل بديلا عنه ينال منصور، كذلك غاب عبدالهادي الصباغ ليكون مكانه جمال قبش، وغابت سلمى المصري التي تحل مكانها فادية خطاب، وبسبب وجودها في الإمارات وتعذّر سفرها ستغيب أيضا مها المصري لتحل بديلة عنها لينا حوارنة. كما حلت شخصيات جديدة منها جمال العلي وفاتح سليمان وعدنان أبوالشامات.

ويؤكّد كاتب مسلسل “بروكار” أن الجزء الثاني من المسلسل سيكون الأخير، وهو لا يرغب في متابعة كتابة المزيد من الأجزاء فيه. بل إن لديه ثلاثة أعمال اجتماعية يعمل للترويج لها كي تكون من بين العروض قريبا.

وهو يرى أن السبب في توسّع إنتاج الأعمال الشامية هو تكلفتها الإنتاجية الأخف من كلفة إنتاج الأعمال الاجتماعية التي تستلزم التنقل بين العديد من المواقع، ما يفرض كلفة إنتاجية عالية، بينما الأعمال الشامية تصوّر، غالبا، في مكان واحد.

شخصيات غير نمطية

قاسم ملحو يواصل في الجزء الثاني تجسيد دور هنائي، الوصولي الذي لا يتورّع عن القيام بأي شيء في سبيل تحقيق أهدافه
قاسم ملحو يواصل في الجزء الثاني تجسيد دور هنائي، الوصولي الذي لا يتورّع عن القيام بأي شيء في سبيل تحقيق أهدافه

برزت في الجزء الأول من المسلسل العديد من الشخصيات غير النمطية التي عادة ما تظهر في أعمال البيئة الشامية، من أهمها شخصية الدكتورة أنطوانيت التي أدّتها الفنانة نادين خوري. وهي طبيبة سورية تعاند قوى الاحتلال وتحمل روحا وطنية عالية تدفع بها إلى السجن. والشخصية ستتابع الظهور في الجزء الثاني بنفس القوة والزخم.

كذلك ظهرت شخصية الهمشري الذي أدّاها سعد مينة، وهو رجل شهم وطني يعيش وحيدا حياة قاسية وصعبة، ويمتلك قوة جسدية تجعله قادرا على القيام بالعديد من الأعمال المتفرّدة. وهو إلى جانب قوته رجل لطيف لا يقابل الناس بالشر رغم قساوة عيشه ومظهره وحتى اسمه.

كذلك كانت هنالك شخصية هنائي التي أدّاها قاسم ملحو، وتمثل المراوغ الوصولي الذي لا يتورّع عن القيام بأي فعل في سبيل الوصول إلى تحقيق أهدافه. وسيظهر في الجزء الثاني بمظهر متقدّم من حيث دخوله عالم المجتمع السياسي والبرلماني والتأثير الذي سيسبّبه في محيطه.

والعمل الذي سيعرض خلال شهر رمضان القادم من إنتاج شركة “قبنض للإنتاج والتوزيع ” عن سيناريو وحوار سمير هزيم وإخراج محمد زهير رجب. أما التمثيل فكان لمجموعة كبيرة من الفنانين منهم جمال قبش ونادين خوري وقاسم ملحو وزهير رمضان وفادية خطاب ولينا حوارنة وغادة بشور وينال منصور وتولاي هارون ووائل زيدان ومعن عبدالحق وعدنان أبوالشامات ورنا أبيض وزينة بارافي وفاتح سليمان وآخرون.

15