بروكسل "تسابق الزمن" لسد الثغرات الأمنية

الاثنين 2016/03/28
رفع مستوى اليقظة في العاصمة البلجيكية

بروكسل- أوقعت اعتداءات 22 مارس في بروكسل 35 قتيلا على الأقل بحسب حصيلة جديدة أعلنتها السلطات الاثنين.

وبحسب مسؤولين في مركز الأزمات البلجيكي فقد عثر على 31 قتيلا في المطار ومترو العاصمة فيما توفي أربعة متأثرين باصاباتهم في المستشفى. وكانت الحصيلة السابقة تشير الى سقوط 31 قتيلا.

ولم تحتسب السلطات الانتحاريين الثلاثة (اثنان في مطار زافنتم وواحد في محطة مالبيك للمترو) الذين تم التعرف على جثثهم، في الحصيلة. وكانت حصيلة سابقة اشارت الى وقوع 31 قتيلا تم التعرف على 28 منهم (15 قتلوا في المطار و13 في المترو).

واوضحت ايني فان وايمرش المتحدثة باسم نيابة بروكسل ان "ثلاث أسر لا تزال تنتظر الحصول على معلومات"، اذ ان فحوصات الحمض الريبي النووي لا تزال جارية.

وكان مركز الأزمات اعلن الاحد انه ومن اصل 28 شخصا قتلوا في مكاني الاعتداءات وتم التعرف عليهم، تم احصاء 16 بلجيكيا و12 شخصا من جنسيات مختلفة تشمل الولايات المتحدة وهولندا والسويد والمانيا وفرنسا والصين وايطاليا وبريطانيا. واوقعت الاعتداءات ايضا 340 جريحا من بلجيكيين ومن 19 جنسية اخرى.

عندما أمسكت شرطة بروكسل بصلاح عبد السلام الوحيد الباقي على قيد الحياة ممن تحوم حولهم الشبهات في الاعتداءات الانتحارية التي وقعت في باريس في نوفمبر الماضي عرفت أنها بدأت سباقا مع الزمن لمنع هجوم جديد من تنظيم داعش.

حدث ذلك عصر يوم الجمعة 18 مارس وسارع أحد وزراء حكومة رئيس الوزراء شارل ميشيل بإرسال تغريدة قال فيها "أمسكناه" بعد أن وقع عبد السلام الذي كان على رأس قائمة المطلوبين في أوروبا في قبضة الشرطة في بيت يقع في حي مولنبيك بالعاصمة.

لكن مسؤولا حكوميا قال إن القلق كان باديا على ميشيل الذي سارع بالتوجه إلى مركز إدارة الأزمات على مسافة غير بعيدة من مقر انعقاد القمة الأوروبية.

وصدرت الأوامر لقوات الأمن برفع مستوى اليقظة لكنها كانت تفتقر إلى المعلومات التي تبرر إغلاق المدينة كلها مثلما فعل ميشيل في أعقاب هجمات باريس.

وقال المسؤول الحكومي الذي حضر الموقف مشترطا عدم ذكر اسمه "أول ما خطر على بالنا ... أن هذا سيطلق رد فعل ضاريا." وكان لهذه المخاوف مبرراتها. فقد كشفت التفجيرات الانتحارية التي وقعت في مطار بروكسل ومحطة لقطارات الأنفاق وأسفرت عن مقتل 28 شخصا تصادف وجودهم هناك عن عجز السلطات البلجيكية عن التصدي لمتطرفي تنظيم داعش مهما كانت درجة التأهب.

وانكشفت نقاط الضعف في الأجهزة الأمنية من خلال تفويت فرص الربط بين الأحداث والشخصيات وعدم تتبع بعض الخيوط وترك المشتبه بهم يفلتون من أيدي رجال الشرطة.

وأظهر ذلك كيف يمكن للخلايا الإسلامية في أوروبا والتي تدرب أفرادها في سوريا أن ترد بسرعة قاتلة على تطورات مثل إلقاء القبض على عبد السلام.

وقال فينسنت جيل رئيس النقابة الرئيسية للشرطة في بلجيكا "كان سباقا مع الزمن." غير أنه كان سباقا لم يكن بوسع السلطات أن تخرج منه فائزة في ظل عدم كفاية عدد العاملين بأجهزة الاستخبارات والذي تشير بعض التقديرات إلى أنه يوازي حوالي نصف عدد العاملين لدى أجهزة الاستخبارات في دول أوروبية غنية أخرى.

تأهب على مدار عام

وبلجيكا على حجمها هي أكبر مصدر في أوروبا للمقاتلين الأجانب في سوريا. فقد كان تنظيم داعش مصدر إغراء لجيل نشأ غريبا في المجتمع من أبناء مهاجرين أغلبهم من المغاربة الذين وفدوا إلى البلاد خلال الستينات.

وكثفت السلطات البلجيكية من عمليات التفتيش والبحث عن النشطاء بعد يناير عام 2015. وفي ذلك الشهر وبعد أيام فحسب من الهجوم الدموي على صحيفة شارلي إبدو أحبطت الشرطة البلجيكية مؤامرة في بلدة فرفيير كشفت عن حملة لتنظيم الدولة الإسلامية لإعادة الشبان البلجيكيين الذين حاربوا في سوريا ويبلغ عددهم 300 أو أكثر إلى أوروبا لشن هجمات في وطنهم.

وفي فرفيير قتلت الشرطة رجلين عادا من سوريا مع عبد الحميد أبا عود الذي سقط قتيلا في تبادل لإطلاق النار في باريس بعد أيام من الاعتداءات التي وقعت في العاصمة الفرنسية. ووصفه وزير بلجيكي بأنه "العنكبوت الذي يعيش في الشبكة". ومع ذلك فقد اختفت الآثار رغم أن السلطات البلجيكية استجوبت عددا كبيرا ممن كان أبا عود على اتصال بهم لاسيما من حي مولنبيك الذي نشأ فيه في العاصمة البلجيكية. وكان من بين من تم استجوابهم وأطلق سراحهم صلاح عبد السلام وشقيقه إبراهيم.

في النصف الأول من 2015 أدانت محاكم بلجيكية عشرات من الدعاة المتشددين وأتباعهم لدورهم في تجنيد مقاتلين للذهاب إلى سوريا. لكن خلايا جديدة كانت تتشكل في مناطق أخرى.

وفي الصيف الماضي وضع الشقيقان صلاح وابراهيم - وهما من صغار تجار المخدرات وكانا يديران حانة في مولنبيك - ما اعترف صلاح للمحققين بأنها خطة لوجيستية للإعداد لهجمات باريس. وقام صلاح برحلات بالسيارة عبر أوروبا أكثر من مرة ويبدو أنه نقل كميات من الأسلحة والمتفجرات وعددا من الأشخاص.

وكانت الصدمة التي أدركت بها حكومة ميشيل إن لديها مشكلة عاجلة بعد أن سقط 130 قتيلا مساء يوم جمعة في العاصمة الفرنسية وأشارت الخيوط كلها إلى بروكسل.

وأغلق ميشيل شبكة المواصلات والأماكن العامة أياما إذ كان على يقين شبه كامل بوجود تهديد.

وفي قلب كل هذه المخاوف كان صلاح عبد السلام الذي فجر شقيقه نفسه في مقهى في باريس. وتسلل صلاح عائدا عبر الحدود البلجيكية قبل أن تفرض فرنسا حملة التفتيش. وفي صباح اليوم التالي لاعتداءات باريس اختفى عن الأنظار في بروكسل.

صلاحيات جديدة

موارد جديدة

وعد ميشيل بتخصيص تمويل إضافي وإجراء إصلاحات قانونية لتعزيز أجهزة الأمن التي اعترف المسؤولون بأن عدد العاملين فيها أقل مما يجب. فقد واجه جهاز الاستخبارات بالعاملين فيه البالغ عددهم نحو 700 فرد في بلد عدد سكانه 11 مليون نسمة صعوبة في مجاراة الأحداث مثلما حدث للشرطة التي يقل عدد أفرادها نحو 20 في المئة عما يجب.

كما واجهت أجهزة الشرطة والأمن صعوبات لنقص الاتصالات والتنسيق مع تعدد الإدارات في بلجيكا التي يتكلم قسم من سكانها بالفرنسية ويتحدث قسم آخر بالهولندية.

وكان اثنان من المفجرين الانتحاريين في هجمات يوم الثلاثاء الماضي هما نجم العشراوي وخالد البكراوي على قوائم الترقب لسلطات مكافحة الإرهاب.

ويشتبه أن نجم أحد صانعي القنابل لهجمات باريس أما خالد فقد استأجر بيتا ليكون ملاذا آمنا لخلية باريس والشقة التي التقطت فيها الشرطة أول خيط من آثار عبد السلام.

وكان إبراهيم البكراوي شقيق خالد - الذي سبق إدانته في عملية سطو مسلح وخالف شروط الإفراج عنه - قد طرد من تركيا في يوليو تموز الماضي. وحذرت أنقرة بلجيكا منه وأبلغتها أنه قبض عليه وهو يحاول الوصول إلى سوريا.

وفي ديسمبر تلقت الشرطة في مدينة ميشلين معلومة عن أسرة يختبيء لديها عبد السلام. وتضمنت المعلومات العنوان الذي ألقت فيه الشرطة القبض عليه في نهاية المطاف. غير أن المسؤولين يسلمون بأن هذه المعلومات لم تنقل قط إلى زملائهم في بروكسل.

وأدى الكشف عن ذلك إلى انتقادات أن مجلس مدينة ميشلين ربما يفضل إخفاء معلومة لتجنب إثارة استياء سكان المدينة من المسلمين والذين يمثلون نسبة مهمة من الناخبين. وقوبلت هذه الانتقادات بالنفي بشدة.

وفي البحث عن عبد السلام على مدار أربعة أشهر ألقت الشرطة القبض على عشرات وفي الشهر الماضي بلغ عدد من تحتجزهم عشرة أشخاص.

وداهمت الشرطة عشرات البيوت دونما طائل. وترفض الشرطة ما يقال من أن الصدفة هي التي قادتها إلى منطقة فورست التابعة لبروكسل في 15 مارس الجاري. وقد أصيب أربعة ضباط بجروح في تبادل لإطلاق النار قبل أن يسقط مسلح قتيلا.

وأسفر تفتيش الشقة التي استأجرها خالد البكراوي مفجر محطة قطارات الأنفاق باسم مستعار عن وجود بصمات تخص صلاح عبد السلام. وتتبعت الشرطة هاتفا محمولا كان يستخدمه مما أدى إلى القبض عليه بعد ذلك بثلاثة أيام.

وقال المسؤول الحكومي إنه على مدى ثلاثة أيام ونصف اليوم بعد اعتقاله فكرت الحكومة في إغلاق بروكسل لكنها قررت عدم أخذ هذه الخطوة لأنها لم تكن تملك أدلة واضحة على أن الهجوم وشيك. وعندما ضرب المفجرون ضربتهم ساعة الذروة صباح يوم الثلاثاء حاولت السلطات التحرك بسرعة.

وقاد سائق سيارة أجرة نقل المفجرين إلى المطار الشرطة إلى الشقة التي نقلهم منها. وأسفر ذلك عن أدلة من بينها مواد كيماوية وقنبلة أخرى.

وقال تقرير إن المفجرين تركوا القنبلة بعد أن أخطأ الشخص الذي تلقى مكالمتهم التي طلبوا فيها السيارة الأجرة وأرسل سيارة أصغر من تلك التي طلبوها. كما أدى ذلك إلى شاهد يقول المحققون إنه تعرف على رجل ثالث ظهر في صور كاميرات المطار مع المفجرين الآخرين.

واستجوبت الشرطة معارف من تم التعرف عليهم بمن فيهم شخص آخر يشتبه في تورطه في التخطيط لهجمات باريس.

كما أخذت الحكومة إجراءات للتضييق على الوثائق المزورة التي يبدو أنها سمحت لأمثال العشراوي وأبا عود بالسفر عبر أوروبا من سوريا.

وطلبت الحكومة صلاحيات قانونية جديدة على شركات الانترنت والاتصالات وبالتعاون معها لتتبع المشبوهين. لكن المسؤولين يحذرون من أن سد الثغرات في الأجهزة الأمنية قد يستغرق سنوات في بلجيكا التي تستضيف الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

ومن هنا جاءت نبرة الاستسلام التي استقبل بها زعماء بلجيكا أسوأ حوادث العنف في بلادهم منذ الحرب العالمية الثانية إذ أعلن ميشيل ببساطة "ما كنا نخشاه قد وقع".

1