بروكسل تستخدم العصا والجزرة لإبقاء لندن في الاتحاد الجمركي

التصادم الدبلوماسي يفاقم الضغوط على اقتصاد بريطانيا، ولندن تعتبر التفاوض على ورقة أيرلندا الشمالية خطا أحمر.
الثلاثاء 2018/03/06
الاقتصاد البريطاني في ممر ضيق

لندن - تتزايد الضغوط على بريطانيا مع انحسار هامش المناورة في طريق مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي يسعى جاهدا لوضع شروط قاسية أمام رئيسة الوزراء تيريزا ماي.

وشهدت مفاوضات الطلاق توترا كبيرا بعد أن أعلنت بروكسل نيتها في إبقاء أيرلندا الشمالية التابعة للملكة المتحدة، ضمن اتفاقية الوحدة الجمركية الخاصة بها.

 

يرى مراقبون ومختصون في الشأن الأوروبي، أن الاتحاد الأوروبي يتبع سياسة العصا والجزرة مع بريطانيا من خلال مقترحه المثير للجدل بإبقاء أيرلندا الشمالية التابعة للمملكة المتحدة ضمن اتفاقية الوحدة الجمركية لها، بغية استدراج لندن إلى الاتفاقية

وكانت المفوضية الأوروبية، قد نشرت مشروع اتفاقية حول انسحاب بريطانيا وأيرلندا الشمالية من الاتحاد الأوروبي والكتلة الأوروبية للطاقة الذرية. وتم تقديم المشروع الذي انتقدته ماي بشدة، في 118 صفحة، وهي نتيجة المرحلة الأولى من محادثات الطرفين بشأن البريكست.

ويقول المتابعون إن الاتحاد الأوروبي يهدف من خلال النهج الذي يتبعه تجاه أيرلندا الشمالية، إلى الضغط أكثر على لندن، وتعزيز موقفه أكثر في المفاوضات وتسريع وتيرتها قبل حلول الـ29 من مارس 2019، تاريخ الانفصال رسميا.

ويفاقم هذا التصادم الدبلوماسي الضغوط على اقتصاد بريطانيا، فالرؤية لا تزال غامضة في ما يتعلق بقواعد التجارة في المستقبل، وفق تأكيدات مديرة صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد.

واعتبرت ماي أن وثيقة الاتحاد الأوروبي تقوّض وحدة المملكة المتحدة، مؤكدة في الوقت ذاته على أن تناول موضوع أيرلندا الشمالية في المفاوضات، هو بمثابة خط أحمر.

وقال المكتب الإعلامي لماي في بيان إن “مشروع الوثيقة الذي نشرته المفوضية الأوروبية، الأربعاء الماضي، غير مقبول لبريطانيا، لأنه في حال تنفيذه فإنه يقوض السوق الداخلية والوحدة الهيكلية للملكة المتحدة”.

تيريزا ماي: لا يمكن القبول بمسودة المفوضية الأوروبية لأنها ضد الوحدة الدستورية
تيريزا ماي: لا يمكن القبول بمسودة المفوضية الأوروبية لأنها ضد الوحدة الدستورية

وينص المشروع على ضرورة وجود ضوابط بين أيرلندا الشمالية والمملكة المتحدة في مجال الموانئ والمطارات.

وانتقدت ماي في كلمة أمام مجلس العموم الأسبوع الماضي، مشروع القرار حول أيرلندا الشمالية، الذي يبقيها ضمن قانون الاتحاد الأوروبي، واتفاقية الاتحاد الجمركي.

وقالت إنه “لا يمكن القبول بمسودة مفوضية الاتحاد الأوروبي، لأنها ضد الوحدة الدستورية، وأنه لا يمكن لأي رئيس وزراء من المملكة المتحدة المصادقة عليها”.

ومن الواضح أن مسؤولي الاتحاد الأوروبي على دراية بأن النص القانوني الذي أعدوه لا يمكن للحكومة البريطانية قبوله.

ويؤكد مراقبون على رفض بريطانيا للوثيقة الأوروبية، لأنه في حال قبلت بها، سيطالب الاتحاد من لندن التنازل عن قضايا أخرى، مثل حقوق المواطنة والتعهدات المالية وعن وضع محكمة العدل الأوروبية.

وتشير التقديرات إلى أن عدم توفر مقترح واضح من قبل بريطانيا في مسألة أيرلندا الشمالية، قد يكون الهدف منه هو عزم الاتحاد الأوروبي إجبار الجانب المعارض على العمل بسرعة أكبر مع عرض أصعب.

وعلى ضوء المعطيات التي تشير إلى رفض بريطانيا للمقترحات الأوروبية، يرى اقتصاديون أن هذا الوضع يدفع لندن للعدول عن قرار الانفصال، أو يجرها إلى إجراء استفتاء ثان، أو بقائها في الاتحاد الجمركي للاتحاد، أو ضمن سوق موحدة.

وفسر محللون المقترح الأوروبي المثير للجدل على أنه إجبار لبريطانيا من أجل البقاء داخل الاتحاد الجمركي الأوروبي.

وتتابع بروكسل السياسة الداخلية للمملكة المتحدة عن قرب، وتضع جميع السيناريوهات على الطاولة، إلا أن هناك حقيقة لا يمكن التغافل عنها، وهي أن هناك إرادة سياسية لإخماد الأسواق المشتركة، وخلق حالة من القلق لدى المؤسسات المالية، وعالم الأعمال.

ورغم إظهار عالم الأعمال حالة من الاحترام لنتائج تصويت استفتاء الانفصال في يونيو 2016 عن الاتحاد الأوروبي، تزداد الشكوك تجاه موقف الحزب الحاكم المحافظ حول نيته الخروج من الأسواق الأوروبية المشتركة.

ميشال بارنييه: الحديث عن مرحلة انتقالية مفتوحة بعد البريكست أمر غير وارد مطلقا
ميشال بارنييه: الحديث عن مرحلة انتقالية مفتوحة بعد البريكست أمر غير وارد مطلقا

وعمل زعيم حزب العمال جيريمي كوربين، إلى تناول توقعات عالم الأعمال خلال برنامج حزبه في الانتخابات المبكرة التي جرت في يونيو الماضي، إذ نجح من خلال التناول، في خفض النسبة بين حزبه والحزب المحافظ الحاكم إلى 2.4 بالمئة.

وعلى ضوء تطورات مفاوضات بريكست، أكد كوربين في كلمة له خلال الشهر الماضي، على ضرورة بقاء بلاده في الاتحاد الجمركي، بعد انفصالها عن الاتحاد الأوروبي.

ويبقى سيناريو انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي قائما، في حال لم يتم التوصل لاتفاق، بعد أن بدأ الغموض يخيم عليها.

وقال كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشال بارنييه في وقت سابق إن “الحديث عن مرحلة انتقالية مفتوحة بعد البريكست أمر غير وارد مطلقا”، وذلك ردا على الحكومة البريطانية التي تتوقع أن تمتد الفترة الانتقالية بعد الانفصال إلى ما بعد 2020.

وكان أبرز ما قدمه الاتحاد الأوروبي للندن حتى الآن، مسألة الاتحاد الجمركي، وهو ما أشار إليه كوربين لكونه أقرب بديل للعمل في سوق واحدة ويوفر حلولا لقضية الأعمال التجارية وحدود أيرلندا الشمالية.

ويساهم الاتحاد الجمركي في تعزيز التجارة بإلغاء الضرائب على المنتجات ويهدف في هذه المرحلة إلى تحديد الكلمات الدقيقة للنص القانوني والانتهاء منه في وقت يسمح للطرفين باستكمال إجراءات الموافقة القانونية.

 

10