برونو غانز هتلر الأشهر في السينما.. يغادر العالم

الممثل السويسري برونو غانز لا يميل إلى استعراض العضلات، بل إلى "التقمص الهادئ" الذي يسمح له بالنفاذ إلى عمق الشخصية التي يؤديها.
الأحد 2019/03/24
أداء دور هتلر بصورة إنسانية

كان الممثل السويسري برونو غانز الذي توفي في 16 فبراير الماضي عن 77 عاما، واحدا من أعظم الممثلين في البلدان الناطقة بالألمانية، لكنه كان أيضا أحد أعظم ممثلي السينما في العالم. فقد كان ممثلا من نوع خاص، لا يميل إلى استعراض العضلات، بل إلى “التقمص الهادئ” الذي يسمح له بالنفاذ إلى عمق الشخصية التي يؤديها، والعيش معها ومع عالمها ثم التعبير عنها من خلال خبرته وثقافته الخاصة وفهمه الخاص للشخصية التي يؤديها.

ولد غانز في 22 مارس 1941، في زيورخ، لأب سويسري وأم إيطالية. وقد ترك التعليم الجامعي لكي يعمل في المسرح عندما كان في التاسعة عشرة من عمره، ثم أسس مع المخرج بيتر شتاين فرقة مسرحية في برلين. ومن أشهر أدواره في المسرح دوره في مسرحية “فاوست” التي عرضت في أوائل الألفية الثالثة. قام بالتمثيل في أكثر من 100 فيلم، إضافة إلى العشرات من المسرحيات والأعمال الدرامية في التلفزيون. وخلال أكثر من 50 عاما في عالم التمثيل، حصل غانز على العشرات من الجوائز الدولية كما تم الاحتفاء به ومنحه أعلى الأوسمة في فرنسا وألمانيا.

التحق برونو غانز بحركة السينما الألمانية الجديدة التي برزت إلى الوجود في السبعينات الماضية، خاصة في الأفلام التي أخرجها المخرج الألماني الشهير فيم فيندرز الذي اعتبر أكثر أبناء جيله من مخرجي السينما الألمانية الجديدة. وكان فيندرز أكثر أبناء جيله، فاسبندر وهيرتزوغ وفون تروتا، إعجابا بالسينما الأميركية، وقد استعان بصديقه برونو غانز في فيلم “الصديق الأميركي” (1977) وفيه يقوم بدور صانع إطارات صور ألماني يقبل العمل كقاتل محترف لحساب رجل فرنسي على اعتبار أنه مشرف على الموت جراء إصابته بمرض السرطان ويرغب في ترك بعض المال لزوجته وأبنائه بعد وفاته الوشيكة. ومن ضمن الممثلين الذين اشتركوا في هذا الفيلم مع غانز، الممثل الأميركي الكبير دينيس هوبر، وصامويل فوللر ونيكولاس راي وهما مخرجان مخضرمان كانا يحظيان بحب وتقدير كبير من جانب المخرج فيم فيندرز.

ملاك فوق المدينة

ترسخت شهرة برونو غانز كممثل قدير يملك تأثيرا سحريا على المتفرج بعينيه الناعستين ونظراته الغامضة الرومانسية مع الفيلم الشهير “الملائكة فوق برلين” (أو أجنحة الرغبة) (1987) للمخرج فيم فيندرز، وفيه يقوم غانز بدور “داميال” وهو أحد ملاكين يراقبان أحوال برلين ومصائر سكانها بعد الحرب العالمية الثانية، وهما يهبطان من السماء إلى أرض المدينة الحزينة، يتأملان عن قرب أحوال البشر، ويصبح “داميال” الملاك الحارس للمحتاجين والمحبطين، والمنقذ لمن يوشكون على اليأس، بل إنه يجد نفسه أيضا مشدودا إلى الحياة الإنسانية الأرضية، يتذوق الطعام بتلذذ للمرة الأولى، ويراقب عاطفة الحب وإلحاح الرغبة.

البحث عن اليونان

الطفل الألباني يساعد الشاعر في العثور على القصيدة المفقودة
الطفل الألباني يساعد الشاعر في العثور على القصيدة المفقودة

أسند المخرج اليوناني الكبير الراحل ثيو أنجلوبولوس دور البطولة إلى برونو غانز في اثنين من أهم أفلامه هما “الأبدية ويوم” (1998) و”رماد الزمن” (2008). في الفيلم الأول يقوم بدور رجل مريض يوشك على الموت.. يريد أن يتخلى عن حاضره ويذهب إلى حيث ينتظر نهايته..

إنه يعيش في الماضي، يسترجع ذكرياته مع زوجته الجميلة الغائبة، منزلهما الذي كان على البحر، يزور أمه الموشكة على الموت، يلتقي بالكثير من الناس في الطريق، ثم يجد نفسه مشدودا إلى صبي لاجئ من ألبانيا، يتحايل من أجل البقاء في اليونان ويتعرض للكثير من المشاكل، يتدخل ألكسندر وينقذه ثم يصحبه إلى الحدود، يريد إعادته إلى بلاده لكنه سرعان ما يدرك أن من الأفضل له أن يبقى في اليونان، ولكن هل مازالت اليونان تتمتع بالصحة والعافية أم أنها مثله واهنة توشك على الموت؟ إ

نه يلتقط الكلمات المعبرة من الصبي وغيره من الناس لعلها تساعده في استعادة الأبيات المفقودة من قصيدة قديمة للشاعر اليوناني جورج سيفريس. في النهاية وبعد خوض الرحلة وكل ما صادفه فيها، يستعيد الرجل توازنه النفسي ويودّع فكرة الانعزال في انتظار الموت، ويقبل على الحياة.

برونو غانز مثله في ذلك مثل الممثل الإيطالي الكبير مارشيللو ماستروياني (الذي لعب بطولة فيلم “حارس النحل” أنجلوبولوس) يعبر بوجهه وحركة جسده ويديه والتفاتة وجهه ونظراته الحزينة الناعمة، دون التعبير بالكلام لأن المخرج استخدم تقنية الدوبلاج بصوت ممثل يوناني في حالة غانز كما في حالة ماستروياني.

لا يسعى برونو غانز سواء في هذا المشهد أو في الفيلم كله، لمحاكاة صورة هتلر الشائعة رغم ما أجري له من ماكياج ثقيل لم ينجح في أن يجعله نسخة من هتلر الأصلي

وفي “رماد الزمن” يقوم برونو غانز بدور رجل يهودي مسن كان يرتبط بعلاقة عاطفية مع أم البطل وهو مخرج سينمائي كان غائبا في أميركا، يعود لتصوير فيلم عن حياته وحياة والديه لكنه يتوقف دون أن يكمله بعد أن دفعه الفيلم إلى استعادة الكثير من الذكريات والتأمل فيما آلت إليه الأمور في القارة الأوروبية العجوز من خلال الرحلة المضنية بحثا عن الحقيقة.

قام برونو غانز أيضا بدور رئيسي في فيلم “الحفل” (2017) للمخرجة سالي بوتر، مع عدد من مشاهير الممثلين، لذلك لم يكن حضوره بارزا كما يليق بهذا الممثل الكبير. وفي “المنزل الذي بناه جاك” (2018) آخر أفلام المخرج لارس فون تريير، يقوم غانز بدور ليس أقل من دور ملاك العقاب في “يوم الحساب” الذي يقود البطل- القاتل، السفاح الذي يستعذب القتل بشتى الطرق والتمثيل بجثث ضحاياه، يشهده على ما ارتكبت يداه قبل أن يدفع به إلى هوة الجحيم.

دور هتلر

على الرغم من تنوع أدواره، يبقى أهم أدواره على الإطلاق دوره الذي لا ينسى والذي سيبقى طويلا في ذاكرة عشاق السينما، دور هتلر في فيلم “السقوط” Downfall 2004. وقد أثار هذا الدور وهذا الفيلم ردود فعل شديدة التباين حوله. المخرج الألماني فيم فيندرز صديق غانز وصاحب الأفلام الأولى التي دفعت به إلى دائرة الشهرة، كتب مقالا يفيض بالتعبير عن المشاعر الشخصية، قال فيه إنه فقد القدرة على النوم منذ أن شاهد هذا الفيلم، وبعد أن أعاد مشاهدته، رأى أنه فيلم يغيب عنه موقف واضح من هتلر بل إن الفيلم يكاد يبرئ هتلر من التسبب في ما وقع من جرائم.

كثير من النقاد في الولايات المتحدة أدانوا الفيلم رغم إقرارهم بتميزه الفني. والسبب حسب ما يعتقدون، نظرته المعتدلة أو حتى “المتسامحة” حسب قولهم، تجاه بعض الشخصيات الثانوية التي أحاطت بهتلر، كما اتهموا الفيلم بأنه يبعث برسالة إلى المشاهدين الألمان تقول إن الألمان العاديين كانوا في نهاية الأمر ضحايا للنازية.

كان أول ظهور لبرونو غانز في الفيلم بعد مرور نحو ثلاث دقائق. في ديسمبر 1942 يخرج هتلر من مكتبه في المستشارية الألمانية لكي يستقبل مجموعة من الفتيات ليختار من بينهن واحدة تصلح لأن تكون سكرتيرة شخصية له. يخرج “الفوهرر” يبتسم.. يصافح الفتيات واحدة بعد أخرى.. يشكرهن على تحمل مشاق المجيء ليلا إلى مقره في منتصف الليل.

 يبدو متجهما ولكنه واضح النبرات، يقف وهو محني الظهر بعض الشيء. ينحني أمام كل واحدة يصافحها ويسألها: من أين أنت؟ نظراته تتجه إلى الفتاة الأخيرة في الصف ربما لأنها تلفت نظره بجمالها الخاص وجاذبيتها وقسمات وجهها المريحة. يتجاهل من قبلها ويسألها عن اسمها وبلدها. إنها فتاة في الثانية والعشرين “تراودل يونغ” ابنة ميونيخ التي سيجذبها على الفور إلى مكتبه حيث يملي عليها رسالة. تحاول الفتاة طباعة الرسالة التي يمليها عليها. ترتبك تتوقف. تشعر بالإحباط. ينهض من خلف مكتبه يتجه إليها، يميل ليرى ما طبعته.. يبتسم في وجهها في إيماءة طمأنة ويطلب منها البدء مجددا.

عبقرية الأداء

برونو غانز: ممثل من طراز فريد
برونو غانز: ممثل من طراز فريد

هذه بالطبع ليست صورة هتلر المألوفة التي أشبعها الإعلام الغربي هجاء وسخرية. لا يسعى برونو غانز سواء في هذا المشهد أو في الفيلم كله، لمحاكاة صورة هتلر الشائعة رغم ما أجري له من ماكياج ثقيل لم ينجح في أن يجعله نسخة من هتلر الأصلي. إنه يبدو في الحقيقة أكثر امتلاء ويبدو وجهه أكثر انتفاخا. لكنه يعبّر ببراعة، بنغمة صوته التي يتلاعب بها صعودا وهبوطا، وبحركته ولغته الجسدية وابتسامته وثقته ثم هيمنته السلطوية، قبل فقدانه توازنه واضطرابه العصبي ونوبات اليأس والغضب والجنون التي ستنتابه في ما بعد مع اقتراب الهزيمة، وتشككه فيمن حوله من قيادات، واعتقاده بأنه تعرض للخيانة بعدما بدأت سحب الهزيمة تحلّق فوق برلين والقوات السوفيتية تقترب من ملجئه الكائن تحت حديقة المستشارية في قلب برلين.

كانت تلك المرة الأولى التي يجرؤ ممثل ألماني على أداء شخصية هتلر من خلال سيناريو يقوم أساسا على مذكرات تراودل يونغ، التي عايشته يوميا لمدة سنتين ونصف، وظلت معه في الملجأ حتى النهاية. وقد وصفت هي كيف كان يتميز بالرقة في تعامله معها ومع النساء عموما. وكيف كان دائم السؤال عن أحوالها الشخصية. هذه الصورة تختلف عندما نراه أمام جنرالاته في غرفة الحرب. هنا يستخدم برونو غانز حركة يديه ليجعلها تبدو مثل مخلبين وهو يشير لجنرالاته إلى مواقع وهمية على الخريطة الموجودة أمامه فوق الطاولة، يحاول أن يقنعهم بأن تحريك القوات في هذا الاتجاه أو ذاك كفيل بتحقيق النصر. لقد أصبح الرجل سجينا داخل خياله الشخصي.

إلى جانب مذكرات تراودل يونغ اعتمد الفيلم على كتاب يواكيم فيست الذي انبرى يدافع عن تصويره “الإنساني” لهتلر ضد اتهامات النقاد وما كتبه المخرج فيم فيندرز “بالطبع للفيلم موقف. لقد كان هتلر أستاذا في استخدام السحر الذي يتميز به النمساويون من سكان فيينا بوجه خاص تجاه النساء. ولكن ليس لأنه كان أحيانا رقيقا مع سكرتيرته يعني أنه كان إنسانيا. هذا استنتاج سخيف. فيم فيندرز كان يريد أن يصنع فيلما يجذب مليونين من الناس، أما “السقوط” فقد شاهده خمسة ملايين ألماني.

مخرج الفيلم أوليفييه هيرشبيغل قال إن “الأشرار لا يتجولون في الشوارع بمخالب مثل الوحوش الشريرة رغم أن الركون إلى مثل هذه الفكرة أكثر راحة. إن كل من يتمتع بقسط من الذكاء يدرك أن الشر يمكن أن يختفي وراء وجه مبتسم”.

كان برونو غانز مترددا قبل القيام بدور هتلر. ليس فقط لأنه كان يخشى من ردود الفعل داخل ألمانيا. بل أساسا لأنه كان يخشى وهو يستعد للقيام بالدور، أن تسيطر عليه شخصية هتلر وأن يصبح مرتبطا بها في عيون الكثيرين. وهو ما حدث بالفعل. فقد اقتضى الأمر مرور وقت طويل إلى أن تمكن من التخلص من سيطرة هذه الشخصية عليه.

من “الملاك الحارس” في “الملائكة فوق برلين”، إلى أكثر الشخصيات مثارا للكراهية والاشمئزاز في “السقوط”، بدا أن برونو غانز كان يستمتع، ولو من طرف خفي، بانقسام الجمهور في كل مكان حوله وحول شخصيته الحقيقية. وبعد أن ودع عالمنا في السادس عشر من فبراير الماضي متأثرا بمضاعفات إصابته بسرطان القولون، ستظل صورته موزعة في الذاكرة بين كل من: الملاك والشيطان!

15