بريان دي بالما: مهووس بالتلصص والإيروتيكية والدماء

الأحد 2015/09/20
بريان دي بالما.. يمتلئ عالمه بالدماء إلى حد السريالية

كان المخرج الأميركي بريان دي بالما (75 سنة) ضمن السينمائيين الذين احتفى بهم مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته الأخيرة، فقد منحه المهرجان جائزة “جيغر لوكولتير” وهي جائزة خاصة تمنح منذ عام 2006، إلى كبار السينمائيين، تدعمها شركة سويسرية متخصصة في صنع الساعات، في إطار دعمها للثقافة والفنون.

برز بريان دي بالما في عالم السينما في أوائل السبعينات، ضمن “الجيل الجديد” في هوليوود، الذي جاء بعد زوال “عصر الاستديو”، أي بعد أن تلاشت قوة المنتج الأسطورية، وبروز دور المخرج. وضمت هذه المجموعة فرنسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي وجورج لوكاس وستيفن سبيلبرغ. وكان دي بالما هو الذي اكتشف الممثل روبرت دي نيرو وقدمه في أفلامه الأولى، ثم قدمه بعد ذلك إلى سكورسيزي.

من البداية تميز دي بالما بأسلوبه الخاص، وولعه بالقصص الغريبة التي تدور في أجواء شبيهة بأجواء أفلام هيتشكوك، وكان يهضم أفلام هيتشكوك ويستوعبها ثم يقوم بتطويعها لأفكاره وهواجسه الشخصية ولأسلوبه الخاص، ويتضح في الكثير من أفلامه تأثره الواضح بأفلام هيتشكوك مثل “سايكو” و”النافذة الخلفية” و”دوار” (فيرتيغو). وقد أعاد دي بالما إخراج فيلم هيتشكوك “دوار” في فيلم بعنوان “هاجس″ Obsession عام 1976، وفيه يصور كيف يتعلق رجل أعمال بشكل مرضي بامرأة تشبه إلى حد كبير زوجته الراحلة. واستعان فيه ببرنارد هيرمان، مؤلف موسيقى سبعة من أشهر أفلام هيتشكوك منها سايكو ودوار و”مارني” و”الشمال من الشمال الغربي”.

ودي بالما أحد مبدعي السينما الأميركية، ونموذج للمخرج المؤلف صاحب الرؤية الخاصة للعالم التي يعبر عنها من فيلم إلى آخر، وهو يمتلك بصمة خاصة تصبغ أفلامه، وقد تأثر بالموجة الجديدة الفرنسية، شأنه في ذلك شأن أبناء جيله، وهي الحركة السينمائية التي ظهرت في أواخر الخمسينات في فرنسا، ورفعت كثيرا من شأن المخرج-المؤلف، كما أعادت اكتشاف هيتشكوك واعتبرته أستاذ “السينما الخالصة”.

السينما الطليعية

قام روبرت دي نيرو بدور من أدواره الأولى في فيلم دي بالما “هاي ماما” (Hi, Mom 1970) وهو دور جندي سابق عائد من فيتنام يراقب جيرانه ويصورهم بكاميرا من مقاس 8 مم، ثم يكتشف ما يسمى بـ”المسرح الأسود” التجريبي الغاضب من خلال تلك الفرقة من الأميركيين السود التي يجوب أفرادها الشوارع يوجهون إلى المارة من الأميركيين البيض في الشوارع سؤالا واحدا هو: ما الذي يعنيه أن تكون أسود؟ ومن هنا تبدأ الكوميديا الساخرة عندما يطلي السود وجوههم بمادة بيضاء، ويطلون وجوه البيض بطلاء الأحذية لتصبح سوداء، أي يتبادلون الأدوار ثم يظهر دي نيرو في زي ضابط شرطة عنصري يلقي القبض على أفراد الجمهور من البيض باعتبارهم من السود، وفي هذا الفيلم (الطليعي) يتداخل المسرح الثوري التحريضي مع جماليات الفيلم التي تعتمد على أساليب الموجة الجديدة وسينما الحقيقة: الكاميرا الحرة المتحركة، الصورة الضبابية المصورة الأبيض والأسود، الطابع التسجيلي، الممثلين غير المحترفين، الأداء الذي يبدو مرتجلا بالكامل، والتصوير الذي يبدو تلقائيا وممتدا بدون استخدام للقطع.

اهتم دي بالما في أفلامه التالية بالإيروتيكية والبحث السيكولوجي في أغوار النفس، بدوافع الشر، وبالشخصيات التي تعاني من العزلة، وعدم القدرة على التواصل مع الآخرين. ولعل أبرز مثال على ذلك فيلمه “الفتنة القاتلة” Femme Fatale.

ويمتلئ عالمه السينمائي بالدماء التي تصل في بعض أفلامه إلى درجة سيريالية عندما تسيل أنهارا وعندما يصبح الموت “كرتونيا” وبالجملة كما نرى في فيلمه الشهير “الوجه ذو الندبة” Scarface. وهو مولع بتصوير شخصيات الرجال المسيطرين الذين يعملون في مهن تمكنهم من السيطرة على غيرهم، وقد يجدون أنفسهم متورطين في العنف كما في فيلم “الشقيقتان” (Sisters 1973) الذي يستغل فيه طبيب نفساني مريضاته للسيطرة عليهن عن طريق التنويم الإيحائي باسم العلم.

من الشخصيات المزدوجة إلى حرب العراق

ودي بالما مغرم أيضا بفكرة “التلصص”، وفي الكثير من أفلامه نرى شخصيات تراقب الآخرين بالكاميرا فيلم الفتنة القاتلة مثلا، وهو يحرك الكاميرا كما لو كان يجوس داخل حجرات بيت مجهول لا يعرفه وإنما اقتحمه خلسة لمراقبة الشخصية التي تخفي وراء مظهرها الكثير من الأشياء المخيفة.

وفي فيلمه البديع “شبح الفردوس″ (1974) يمزج بين “فاوست” غوته، و”صورة دوريان غراي” لأوسكار وايلد، و”شبح الأوبرا” لغاستون ليرو، في فيلم يجمع بين الرعب والغناء والاستعراض، ويقتبس فيه بصريا من التعبيرية الألمانية خصوصا “عيادة الدكتور كاليغاري”. ومرة أخرى نحن أمام شخصية مهيمنة شرسة هي شخصية “سوان” منتج الأغاني الذي يعتزم افتتاح مسرح كبير يقدم عليه عملا موسيقيا ضخما، ويتحايل ليسرق الموسيقى التي كتبها الموسيقار الموهوب “وينسلو” ثم يلفق له جريمة حيازة مخدرات.

وفي فيلم “تخفى ليقتل” (Dressed to Kill 1980) يتعمق دي بالما في موضوع الخلل النفسي الناتج عن الخلل الجنسي، وفيه يقوم مايكل كين بدور الدكتور روبرت إليوت، الطبيب النفسي الذي تتردد على عيادته السيدة كيت ميللر (إنجي ديكنسون) لتروي له متاعبها الجنسية مع زوجها العاجز عن إرضائها ثم تحاول إثارته جنسيا، فتخدش نقطة ضعفه الكامنة، فهو يشعر في قرارة نفسه بأنه امرأة لكنه يكبت شعوره هذا، وعندما تتعامل معه هذه المرأة المثيرة باعتباره رجلا وتحاول إغواءه، تستفز فيه مشاعر العنف الشديد تجاهها. وفي المشهد الرئيسي من الفيلم، يرتدي ملابس امرأة ويضع نظارات سوداء على عينيه وباروكة شقراء، ثم يفاجئ مسز ميللر في المصعد ويطعنها طعنات عدة بسكين حادة، على غرار المشهد الشهير في فيلم “سايكو” لهيتشكوك.

تأثير الأسرة

كان والد دي بالما جراح عظام، وكان مهووسا بذاته، يسير في ردهات المستشفى كالطاووس، يتبعه المساعدون والممرضات. وكثيرا ما كان يأخذ ابنه بريان معه لمشاهدة العمليات الجراحية. وربما من هنا أصبح دي بالما مهووسا بمشاهد الدماء.

وعندما كان دي بالما لا يزال طالبا في المدرسة الثانوية حاولت أمه الانتحار بتناول جرعة من الحبوب المهدئة، فقد كانت تعاني بسبب خيانات والده لها. وسعى بريان لمساعدة أمه في الحصول على دليل يثبت خيانة أبيه لها، لكي تحصل على الطلاق، فأخذ يسجل مكالمات والده الهاتفية، ثم بدأ يراقبه مسلحا بكاميرا لالتقاط الصور التي تدمغه بالخيانة، وكان يتسلق شجرة قريبة من مكتبه ويلتقط صورا ربما تضبطه متلبسا بالفعل الجنسي مع امرأة أخرى، ثم فاجأه داخل مكتبه مع ممرضة كانت على علاقة به، مما أدى إلى وقوع الطلاق.

دي بالما إذن مغرم منذ الصغر بالمراقبة، بالتلصص، بمراقبة من يمارسون الجنس، أو بالهوس بالجنس كفرجة، وليس كفعل. وفي الكثير من أفلامه نرى تأثير تلك النزعة الغريبة عليه. في فيلم “الجسد البديل” (1984) Body Double يتلصص بطل الفيلم باستخدام منظار مكبر من شرفة رجل استضافه، على فتاة ترقص رقصا مثيرا في منزل مجاور كل ليلة في نفس الموعد، إلى أن يرى ذات ليلة رجلا يطعنها بوحشية، ثم يأتي بعد ذلك التلصص على شريط البورنو، الذي يقوده إلى فتاة أخرى تصبح البديلة لتلك التي قتلت. وفي الفيلم يتضح أيضا تأثير هيتشكوك في فيلمه النافذة الخلفية. وفي الشقيقتان تتلصص الصحفية المتخصصة في الجرائم على نافذة فتاة تراها وهي تقتل شابا في شقتها، وتستعين بصديق لها يدخل شقة الفتاة بعد ذلك وهي في الخارج، ويشير لها من هناك بأنه لم يعثر على شيء، على غرار المشهد الشهير في النافذة الخلفية لهيتشكوك.

وفي فيلم “أفلام منزلية” (1980) Home Movies يعتلي بطل الفيلم المراهق دينيس، شجرة لالتقاط صور لوالده وهو مع ممرضة، ولكن دينيس في الوقت نفسه، يتلصص على نافذة أخرى حيث يشاهد فتاة تشبه خطيبة شقيقه التي يشتهيها جنسيا. هنا يصبح دينيس موزعا بين رغبته في مساعدة أمه التي يخونها أبوه (على نحو ما فعل دي بالما)، وبين رغبته الجنسية التي تدفعه لارتكاب فعل التلصص الشهواني.

وفي فيلم “تخفى للقتل” Dressed to Kill، يراقب “بيتر” (يقوم بدوره كيث غوردون) ابن القتيلة كيت ميللر، بكاميرا كل ما يدور داخل عيادة الدكتور النفساني بوبي الذي يشك أنه قاتل أمه، وأنه يريد الآن أن يقتل الشاهدة على تلك الجريمة، وهي عاهرة شابة. هنا يقسم دي بالما الشاشة إلى قسمين، كما كان يفعل كثيرا في عدد من أفلامه، في القسم الأول نرى الفتاة وهي تتلقى مكالمة تليفونية بخصوص مهمة أخرى لزيارة زبون جديد، بينما يستمع الطبيب إلى آلة تسجيل المكالمات، ثم ينهض ويدير جهاز التلفزيون ليشاهد شخصا من المتحولين جنسيا أولا في صورة رجل ثم كامرأة بعد أن نجح في عملية التحول، يسأله مراسل تلفزيوني عن حياته عندما كان رجلا وأبا لثلاثة من الأبناء، ويصبح لدينا ثلاثة مستويات من الصور: الفتاة على اليمين، والدكتور في الوسط من خلفية الصورة، وعلى اليسار في مقدمة الصورة، شاشة التلفزيون. هذا التكوين المعقد يعكس الطبيعة المشوشة لشخصية القاتل، كما يعكس ولع دي بالما بالاستغناء عن المونتاج ودمج ثلاثة أحداث في مشهد واحد.

دي بالما مع آل باتشينو بطل فيلمه الشهير "الوجه ذو الندبة"

يستخدم دي بالما تقسيم الشاشة في الكثير من أفلامه، ليعرض حدثين يقعان في وقت واحد، وهو يغالي كثيرا في استخدام هذا الأسلوب في فيلمه الشهير الفتنة القاتلة (Femme Fatale 2002) الذي يتناول العلاقة بين الواقع والحلم، وكيف يمكن أن تتلاعب الأقدار بمصائر الأفراد، كما يستخدم الفكرة المتكررة في أفلامه وهي فكرة الشخصية البديلة، التي تشبه الشخصية الرئيسية، ونرى ذلك في الجسد البديل والشقيقتان.

وبوجه عام يعتبر دي بالما من أكثر أبناء جيله اهتماما بالتكوين في الصورة السينمائية من أجل التعبير عن الحالة النفسية للشخصيات، وبفكرة الزمن السينمائي، أي التأرجح بين الماضي والحاضر، وخلط الأزمنة، وبالتكوين الخاص مع حركة الكاميرا الطويلة المعقدة واستخدام عدسة الزوم، والزوايا المرتفعة للتصوير. وهو لا يقتبس من هيتشكوك فقط، بل من ايزنشتاين أيضا كما في المشهد الشهير في فيلمه “غير القابلين للرشوة” (1987) The Untouchables الذي يماثل في بنائه وتكوينه مشهد سلالم الأوديسة الشهير في فيلم “المدرعة بوتمكين” لايزنشتاين.

عالم دي بالما

من أكثر أفلام دي بالما شعبية فيلم الوجه ذو الندبة (1983) بطولة آل باتشينو، والذي كتب له السيناريو أوليفر ستون، وكان إعادة إخراج للفيلم القديم الذي أخرجه هوارد هوكس عام 1932. وفي الفيلم التسجيلي الذي عرض في مهرجان فينيسيا عن دي بالما من إخراج نوه بومباش، يروي هو كيف أن ستون كان يساعده في إخراج الفيلم لكنه اكتشف أنه يقوم بتوجيه الممثلين للأداء بطريقة تختلف عن طريقته، فاضطر لطرده من الاستديو. وفي الفيلم يرفض دي بالما اتهامه بتصوير المرأة بصورة سلبية كهدف جنسي أو ككائن شرير يتلاعب بالرجل أو بالإفراط في تصوير العنف ضد المرأة، ويقول إن صناع الأفلام كانوا دائما مهتمين بتصوير نساء جميلات في السينما، وإنه يجد المرأة الجميلة أمرا مثيرا، ومن الطبيعي أنها عندما تتعرض للعنف، فإنها تلفت أنظار المشاهدين.

أخرج دي بالما أيضا الفيلم السياسي كما في “إصابات الحرب” (1989) عن حرب فيتنام، ثم وجه انتقادات شديدة للدور الأميركي في العراق في فيلمه الطليعي “روقب” (Redacted 2006) الذي صوره باستخدام كاميرا الديجتال ومنح نفسه حرية استخدام وسائل وأساليب مثل التوثيق والتسجيل مع إعادة تجسيد وقائع حقيقية باستخدام الممثلين، وصور الفيلم من وجهة نظر العراقيين وقنوات التلفزيون العراقية ومدونات الجنود الأميركيين في العراق واللقطات التي يصورونها بكاميرات الهواتف المحمولة على شكل يوميات، والصور المأخوذة من كاميرات المراقبة الليلية خارج القواعد العسكرية الأميركية في العراق، وكاميرات فرق التغطية التلفزيونية بما في ذلك الأطقم التلفزيونية التي ترافق القوات الأميركية.

وعالم دي بالما السينمائي ما زال ممتدا، بعد أكثر من 30 فيلما روائيا طويلا وعددا من الأفلام القصيرة، كما كتب وأنتج وصور وعمل المونتاج وقام بالتمثيل في عدد من أفلامه.

16