بريتوريا تقود تمردا على تحييد ملف الصحراء المغربية عن الاتحاد الأفريقي

مراقبون يرون أن مؤتمر مراكش جاء بمثابة رد على مؤتمر بريتوريا باعتبار أن غالبية وزراء القارة الأفريقية لبوا دعوة المغرب.
الأربعاء 2019/03/27
تطبيع لم يدم طويلا

الرباط - احتضنت بريتوريا عاصمة جنوب أفريقيا في اليومين الماضيين أشغال “المجموعة الإنمائية لجنوب القارة الأفريقية”، والمشكلة من 16 بلدا أفريقيا، للتضامن مع جبهة البوليساريو الانفصالية حضرها زعيمها إبراهيم غالي، ووزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، وشخصيات تمثل بلدانا أفريقية وآسيوية وأميركية تناصر الطرح الانفصالي.

وتزامن الاجتماع مع مؤتمر عقد في مراكش الاثنين بحضور 38 دولة أفريقية انتهى بالإجماع على حصر معالجة ملف الصحراء المغربية في الأمم المتحدة، في المقابل انتصرت جنوب أفريقيا مع عدد ضئيل من الدول الأفريقية للخط الانفصالي لجبهة البوليساريو المدعومة بقوة من الجزائر.

ويرى مراقبون أن مؤتمر مراكش جاء بمثابة رد على مؤتمر بريتوريا باعتبار أن غالبية وزراء القارة الأفريقية لبوا دعوة المغرب.

وعبر المغرب بشكل واضح عن رفضه لأي تدخل للاتحاد الأفريقي في نزاع الصحراء مؤكدا أن هذا الاختصاص تملكه حصريا منظمة الأمم المتحدة.

وتسعى كل من الجزائر وبريتوريا بقوة النفوذ والمال لاستمالة الدول الأفريقية لاستخلاص آلية موازية للاتحاد الأفريقي للبت في ملف الصحراء وهو ما لا يوافق عليه المغرب لأنه سيدخل قضية الصحراء في متاهات التدخلات، ما من شأنه أن يشتت جهوده ويشوّش على الخطة الأممية.

ويبدو أن جنوب أفريقيا تحرك ملف الصحراء من جديد إقليميا من خلال استقبالها لمؤتمر يدعم الانفصاليين، وستكثف كذلك جهودها داخل الاتحاد الأفريقي وعلى مستوى المنظمات الدولية ضد مصالح المغرب.

واعتبر الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوسا في كلمته الافتتاحية، أن قمة التضامن مع البوليساريو هي دعوة إلى تطبيق قرارات وميثاق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي من أجل تصفية آخر مظاهر الاستعمار من أفريقيا، وممارسة البوليساريو لـ”حقها في تقرير المصير والاستقلال”.

صقور الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا يقوضون جهود التقارب مع المغرب

وسبق لوزيرة الخارجية الجنوب أفريقية، ليندوي سيسولو، إثارة ملف الصحراء المغربية، داعية إلى ضرورة تحمل مجلس الأمن الدولي مسؤوليته في هذا الإطار، والدفع بمسلسل التسوية لإيجاد حل عاجل للقضية.

ويرى مراقبون أن جنوب أفريقيا ستعمل على استغلال موقعها داخل مجلس الأمن للسنتين 2019 و2020، لدعم الطرح الانفصالي والتشويش على أعضاء مجلس الأمن بمواقف مناوئة للمغرب والمدافعين عنه.

وكان ممثلو الدول المشاركة في اجتماع مراكش على قدر المسؤولية الملقاة عليهم عندما أكدوا على تفعيل وتبني القرار رقم 693 الذي تم اعتماده في القمة الـ31 للاتحاد الأفريقي بنواكشوط في 2018، حول تقرير رئيس لجنة الاتحاد الأفريقي بخصوص قضية الصحراء، الذي يجدد التأكيد على الاختصاص الحصري للأمم المتحدة في إيجاد حل سياسي وواقعي وبراغماتي ومستدام للصراع.

واعتبر المشاركون في المؤتمر أن أي مبادرة تهدف إلى المس بجوهر القرار 635 قد تضر بمصداقية مسارات الشراكة ومساهمتها في تحقيق أهداف التنمية بالقارة.

وأكدت الوزيرة المنتدبة والمكلفة بالاندماج الأفريقي والنيجريين بالخارج بدولة النيجر، بالا غوغا سالاماتو، دعم بلادها لاستئثار الأمم المتحدة بجهود التسوية النهائية للخلاف حول الصحراء المغربية.

ورغم محاولات الرباط تطبيع العلاقات مع جنوب أفريقيا خصوصا مع اللقاء الذي جمع العاهل المغربي الملك محمد السادس مع الرئيس السابق جاكوب زوما وعودة السفراء التي اعتبرت مؤشرا قويا على إعادة الدفء إلى العلاقات بين البلدين، إلا أن بريتوريا لم تستطع بعد الابتعاد عن المحور المعادي لمصالح المغرب وتهديد سيادته واستقراره.

المغرب عبر بشكل واضح عن رفضه لأي تدخل للاتحاد الأفريقي في نزاع الصحراء مؤكدا أن هذا الاختصاص تملكه حصريا منظمة الأمم المتحدة

وفي زمن التكتلات يدعم المغرب الشراكة المبنية على مبدأ رابح- رابح مع كافة الدول الأفريقية وهو ما دفع الرباط إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع بريتوريا لتطبيع العلاقات، وقد توجت بلقاء بين الملك محمد السادس وجاكوب زوما في العام 2017،اعتبره مراقبون محاولة لإذابة الجليد الذي جمد العلاقات منذ العام 2004.

واتسمت العلاقات الثنائية بالتوتر والارتباك لسنوات بسبب اعتراف دولة جنوب أفريقيا بجبهة البوليساريو الانفصالية في العام 2004، ومع ذلك عين الملك محمد السادس في أغسطس الماضي يوسف العمراني سفيرا للمغرب في بريتوريا، غير أن إدارة الرئيس الجنوب أفريقي الجديد سيريل رامافوسا، لم توافق على اعتماده إلا مؤخرا.

ويعكس إقدام بريتوريا على استضافة مؤتمر داعم للبوليساريو فشل جهود تطبيع العلاقات مع المغرب، نظرا لوجود تباين للرؤى داخل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم في البلاد، بشأن عودة العلاقات مع الرباط، فبينما يرى الفريق الأول، أنه يجب التعامل ببراغماتية مع الموضوع، يرفض الفريق الثاني المؤيد لجبهة البوليساريو عودة العلاقات.

والواضح أن جنوب أفريقيا كقوة إقليمية كبيرة، تقدم مختلف أنواع الدعم للبوليساريو ضد المغرب في إطار محور بريتوريا الجزائر.

ويمكن ربط هذا الموقف من جنوب أفريقيا بالصراع على مناطق النفوذ وأسواق جديدة داخل أفريقيا، بعد أن ركز المغرب جهوده في الانفتاح على أفريقيا الشرقية التي تعتبرها بريتوريا ضمن مجالها الحيوي.

وفي ظل السياسة الأفريقية الجديدة التي بدأ ينتهجها المغرب منذ سنوات قليلة واقتناع جنوب أفريقيا بعدم قدرتها على تجاهل دور المغرب المتنامي في الاتحاد الأفريقي يعمل صقور الحزب الحاكم في بريتوريا بتحالف مع الجزائر على تقويض أي محاولة مغربية للانفتاح على أفريقيا، خاصة وأن استراتيجية المغرب لم تستثن حتى الجزائر بعد دعوة الملك محمد السادس إلى إعادة العلاقات وتجاوز المشاكل المرتبطة بالحدود وملف الصحراء.

4