بريطانيان ينتجان نسخة مطابقة للأصل من مصحف "بيبرس" بماء الذهب

المخطوطات النادرة الموجودة في المتاحف والمكتبات الدولية أو العربية تتطلب جهودا من المؤرخين والحرفيين والفنيين لإنتاج نسخ تكون واحدة منها -على الأقل- مطابقة للأصل، وذلك للحفاظ على ما تحمله هذه المخطوطات من معلومات تلعب دورا هاما وأساسيا في الدراسات والبحوث التاريخية، للكشف عن حياة وفنون وعلوم الشعوب والحضارات التي خلفتها.
الاثنين 2015/06/08
الزوجان فالتر عاشقان للتاريخ وللمخطوطات العربية

بريطانيان عتيقان، عاشقان للأعمال الصعبة، تخصصا في إنتاج نسخ طبق الأصل عن مخطوطات نادرة وفريدة، أجنبية وعربية، غاصا في كل التفاصيل الفنية ليصلا إلى نُسخ شبه أصلية لا تميّزها عن الأصل إلا عينا خبير معتّق مثلهما، ويدأبان الآن على إنتاج نسخة طبق الأصل عن مخطوطة نادرة جدا من القرآن تحمل اسم مصحف (بيبرس) موجودة في متحف لندن.

مايكل وليندا فالتر، زوجان تجمعهما الحياة والمهنة والهواية، صاحبا دار (فاكسيميل) للمطبوعات المحدودة، وهي مؤسسة بريطانية متخصصة تعنى بإعادة إنتاج نسخ مطابقة لمخطوطات قديمة نادرة موجودة في أهم متاحف العالم، وبعضها وثائق من العالم العربي، باستخدام أجود المواد وبالاستعانة بحرفيين مكرسين لذلك من مختلف أنحاء العالم بهدف تعزيز التراث الثقافي والفني والإنساني.

تختار المؤسسة نسخة واحدة من بعض المخطوطات، وعددا محدودا من البعض الآخر، وبعد آلاف ساعات العمل من قبل حرفيين مهرة تظهر نسخ استثنائية، كالأصل بالتفاصيل والرتوش والتعتيق، وحتى بالآثار أو التلف الذي تركه الزمن على النسخ الأصلية، ما يثير اهتمام هواة النوع.

بالنسبة لمصحف بيبرس قال مايكل فالتر لـ”العرب”: إنه تحفة إسلامية أثرية معروضة في المتحف البريطاني، وهو مصحف من صُنع ركن الدين بيبرس الجشناجير الذي كان في منصب عال في الدولة المملوكية ثم أصبح فيما بعد السلطان بيبرس الثاني، ويقع المصحف في سبعة مجلدات مكتوبة كلها بماء الذهب، ويبدأ كل مجلد بصفحة مذهبة تجمع بين الزخرفة الهندسية والزخرفة النباتية الدقيقة وكذلك الكتابة المزخرفة المذهبة، وتحفظ مجلدات المصحف السبعة في حافظة جلدية لا يقل جمال زخرفتها عن زخرفة مجلدات المصحف.

مصحف بيبرس قام بخطه محمد بن الوحيد، وقام بتذهيبه أبوبكر محمد بن المبادر في القاهرة بين سنتي 1304 - 1306 ميلادي

وأضاف “لقد قمنا بإنتاج عشرات من صفحات هذا المصحف كنموذج أولي، وهو بقياس كبير، ونقوم بإنتاج واحد طبق الأصل عنه، لكنه سيكون من ثمانية مجلدات بدلا من السبعة، سبعة للمصحف أما الثامن فسيكون دليلا لهذا المصحف، عن تاريخه ثم تصنيعه، ليكون لدينا بالنهاية مشروع متكامل أصيل”.

ومصحف بيبرس هذا قام بخطّه محمد بن الوحيد، وقام بتذهيبه أبوبكر محمد بن المبادر المعروف بصندل وآيدغدي بن عبدالله البدري في القاهرة بين سنتي 704 و705 هجري (1304 ـ 1306ميلادي)، ويُعدّ هذا المصحف من أجمل المصاحف، كما يُمثّل شاهدا على مدى تطور الفن الإسلامي في فترة الدولة المملوكية التي قهر سلاطينها كلا من المغول والصليبيين.

وتابع فالتر “نركّز في عملنا على التفاصيل، إنها أهم شيء بل كل شيء، الورق الذي نستخدمه يجب أن يكون مطابقا تماماً للورق القديم المستخدم، والحجم، والشكل وكذلك الألوان والأحبار.

وعندما نستخدم الذهب نحاول أن نستخدم لونا ذهبيا خاصا يعطي نفس الانطباع وكأنه ذهب أصلي، أما التجليد، فهو أمر معقد وواسع، نستخدم نفس المواد الكرتونية والجلدية والخشبية، ودائما نوكل أمر التجليد لشركات إيطالية عائلية، ففي إيطاليا تحصل دائما على النوعية الاستثنائية”.

وعن تجربته بالعمل في العالم العربي قال “عادة نبحث عن راع لأعمالنا العربية، فالأسواق مازالت غريبة عنا. فيما يتعلق بالكتب الإنكليزية التي أنتجنا نسخا طبق الأصل عنها قمنا بالعملية باستثمار شخصي، لأننا نعرف الأسواق ويسهل علينا إيجاد المهتمين، أما السوق العربية فلا نعرفها ونحاول استكشافها، ولهذا دائما نبحث عن رعاة، هي أعمال لا تحتاج لاستثمار كبير لكنها تحتاج لشريك عربي محلي”.

وتستطرد زوجته السيدة فالتر، شريكته في المؤسسة “نبحث في دول عربية وخليجية خاصة عن مخطوطات أثرية ثمينة لها علاقة بالحياة القديمة، العادات والتقاليد، كعوالم البيزرة (الصقور والصقارين)، ونسعى لإيجاد أهم الوثائق العربية لإنتاج نسخ معتّقة مطابقة لها، ينسخها فنانون مهرة يدويا قطعة قطعة باهتمام كمن يصقل الألماس، ونلوّنها ونُعتّقها، بورق وكرتون وجلد وخياطة وغلاف مطابق للأصل، ونحاكي كل جزء لنصل لنسخة لا يمكن تمييزها عن الأصل”.

وحول البدايات، قالت السيدة فالتر “بدأنا أنا وزوجي بالعمل في مجال المخطوطات منذ خمس وثلاثين سنة، وتخصصنا بالمخطوطات القديمة والنادرة والنفيسة، بعضها يعود عمره لأكثر من ألفي سنة، ووجدنا حرفيين في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في إيطاليا، لهم خبرات غير عادية وتتوافر لديهم مواد أولية جيدة”.

ويتابع السيد فالتر الذكريات “في البداية ذهبت وزوجتي، التي كانت زميلتي فقط في المشروع آنذاك، وبدأنا مشروعا لكتاب من مكتبة أوكسفورد، واحتاج الأمر لسنتين لنحصل على تصريح من المكتبة بإعادة إنتاج الكتاب بنفس المواصفات الأصلية، بحثنا في كل العالم عن مطابع، ومهنيين، وفنانين، ومجلّدين.

نسخ المصحف بأدق تفاصيله ونقوشه يتطلب ساعات عمل طويلة من الحرفيين المختصين

وعدنا لكتب قديمة تتحدث عن أهم المُجلّدين في العالم، وتوصلنا إلى شركة عائلية إيطالية، تواصلنا معها، فعرض علينا صاحبها أن يأتي إلى لندن ليعرض علينا عينات من عمله، وبدأنا العمل معه، وواجهنا في البداية مشاكل تقنية كثيرة، لكننا نجحنا في النهاية”.

ويضيف “عندما زرناه في مشغله في ميلانو، أرادنا أن نتعرف على عملته في المشغل، كان هناك ثمانية عملة، أصغر واحد منهم عمره 70 عاما، وحين أرانا عينات من الأخشاب المستخدمة في تغليف الكتب، لم نجد فيها ما نريد تماما، كنا نريد نوعا آخر ولونا مختلفا، فأشار إلينا أن نتبعه إلى مخزن مرفق بمشغله خارج ميلانو، وهناك وجدنا أن لديه 12 ألف نموذج من الأغلفة، إنه أمر أكثر من مدهش”.

وعن نوعيات الأغلفة يقول فالتر “الجلود نحضرها من اسكوتلندا ومن نيجيريا، أما الطباعة والتجليد والورق والحشب والتذهيب والتلوين فنقوم بها كلها في إيطاليا، إنك لا تحتاج لأن تقول لمهني إيطالي ما الذي عليه أن يفعله، إنهم محترفون وفنانون، وكما لا يمكنك أن تجد قهوة سيئة في إيطاليا، لا يمكنك أن تجد حرفيا سيئا، لإيطاليا أشياء لا توجد في أي بلد آخر، إنه النوعية”.

ولا يقتصر إنتاج (فاكسيميل) على النسخة الورقية، وتقول السيدة فالتر “صنعنا مؤخرا مخطوطة مكتوبة على صفائح من الرصاص، عمرها ألفي عام، وموجودة نسختها الأصلية في متحف الأردن”، وهي بالفعل نسخة من وثيقة رصاصية يميل لونها للأخضر لشدة قدمها، وتحتوي كتابات قديمة محفورة باليد.

12