بريطانيا: إعادة استفتاء الانفصال مسألة وقت

السبت 2017/06/10

خيبة أمل كبيرة خيّمت على حزب المحافظين البريطاني رغم حصوله على أكبر عدد من الأصوات، إذ خسر الأغلبية المطلقة لمقاعد البرلمان. لا تقتصر الخيبة على الخسارة فحسب، بل على حقيقة أن تيريزا ماي زعيمة الحزب هي من قرر الدعوة إلى انتخابات مبكرة، دون أن تكون مضطرة إلى ذلك، معتقدة أنها ستوسع الغالبية البرلمانية الضئيلة التي حظيت بها في انتخابات العام 2015 بصورة خالفت توقعات المحللين واستطلاعات الرأي، تماما كما خالفت نتائج الانتخابات الحالية تلك التوقعات. مقامرة سياسية خطيرة قد تكلّف ماي منصبها رغم فوز حزبها، إذ أن قيادتها وقدرتها على اتخاذ القرارات الاستراتيجية باتتا محل تشكيك.

طيلة العام الماضي، دفعت بعض القوى المعارضة للخروج من الاتحاد الأوروبي بفكرة إعادة الاستفتاء مجددا وإعطاء البريطانيين فرصة ثانية لحسم مسألة ذات تأثير عميق على مستقبلهم. بالنسبة إلى هذا المعسكر، يعتبر الخروج مسألة تقنية كان يجب أن تُتْرك للخبراء والتكنوقراط الذين يديرون الدولة وألا يتم الدفع بها إلى مهب المؤسسات الديمقراطية.

الناخبون ليسوا دوما على حق، كما أنهم يتأثرون بالدعاية والعاطفة اللتين تبعدانهم عن اتخاذ قرار عقلاني. هكذا فإنه يتوجب إعطاؤهم فرصة ثانية للخروج من “مأزق الخروج” الذي وضعوا البريطانيين فيه. عززت نتيجة الانتخابات البرلمانية البريطانية من موقف هذا المعسكر الذي من المتوقع أن يحاول الدفع باتجاه إجراء استفتاء ثانٍ حول الخروج من الاتحاد الأوروبي.

اعتقدت تيريزا ماي أن بإمكانها الحصول على غالبية مريحة في البرلمان بسبب ضغط مجموعة مترابطة من العوامل. يتعلق العامل الأول بربط الخروج من الاتحاد الأوروبي بتحسّن الأداء الاقتصادي للبلاد. وعدت ماي بأنه وبمجرد انتهاء عملية الخروج، سيؤدي ذلك إلى انتعاش اقتصادي وتزايد عدد الوظائف وارتفاع المعدل الحقيقي للأجور.

يرتبط العامل الثاني بموجة الهجمات الإرهابية التي رفعت من الرصيد الشعبي للتيار المحافظ في كل الدول الأوروبية.

وكان لتلك الهجمات تأثير أكبر في بريطانيا بحكم تتابع العمليات الإرهابية خلال الشهر الذي سبق الانتخابات. تتبنى ماي موقفا أكثر تشددا تجاه معالجة ظاهرة تنامي التطرف في بريطانيا، إذ توعدت بتغيير بعض القوانين التي تندرج تحت بند حقوق الإنسان والتعددية الثقافية والتي تمنح حرية الدعاية لجماعات إسلامية متطرفة. كما تتطلع ماي لتغيير بعض القوانين التي تقيّد سجن المشتبه بهم والتحقيق معهم وترحيلهم وسحب الجنسية منهم.

ولكن الورقة الرابحة التي دفعت تيار المحافظين إلى الانتخابات المبكرة تبقى ورقة “استعادة السيادة”. إذ بقدر ما يتعلق التصويت للانفصال بقضايا اقتصادية ملموسة، يتعلق أيضا بنمو المشاعر القومية البريطانية. يشير التيار المناصر للانفصال إلى عجز القارة الأوروبية عن التصدي للتحديات المشتركة الكبرى مثل الهجرة والإرهـاب والتنافسية من جهة، وإلى تقييدها لأجهزة الدولة البريطانية ومنعها من اتخاذ خطوات منفردة بمنعها من الحصول على المزيد من السلطات المركزية من جهة ثانية.

تم إنشاء الاتحاد الأوروبي في أعقاب الحرب العالمية الثانية في محاولة لتسريع وتيرة الاندماج والتكامل الاقتصادي ومنع إعادة إنتاج إرث طويل من الحروب والصراعات العنيفة بين الدول الأوروبية. هكذا تزايدت مهمّات وصلاحيات الهيئات العابرة للحدود الوطنية والمرتبطة بالاتحاد الأوروبي، والتي راحت تفرض قيودا على الدول الأعضاء. بالطبع ترتبط معظم تلك القيود بدول جنوب أوروبا متواضعة الثروة والقوة مثل اليونان والبرتغال، ولكنها تطال أيضا الدول الكبرى بصورة ما.

وقد زادت المفاوضات الصعبة التي بدأت خلال العام الماضي مع الاتحاد الأوروبي من ذلك الشعور المتعلق بضرورة استعادة السيادة. تذهب أكثر من نصف صادرات بريطانيا إلى دول الاتحاد الأوروبي الذي يشكل سوقا ضخمة لمنتجاتها. جعل ذلك عملية المفاوضات صعبة للغاية في ظل رغبة بريطانيا بالاحتفاظ بهذه المزية الاقتصادية رغم قرارها ترك الاتحاد الأوروبي. ومع تشدد الأخير، الاتحاد الأوروبي، بدأت تيريزا ماي تروّج لرسالة مفادها أنه يريد “إخضاع” بريطانيا، وأن الأوروبيين يريدون أن تدفع ثمن رغبتها في الاستقلال من خلال الشروط التي سيقع فرضها عليها.

لكن الحقيقة تبقى أن تفاصيل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي وآثاره الاقتصادية لا تزال، بعد عام على نتيجة الاستفتاء، غير معلومة للبريطانيين وهو ما زرع الشك والخوف في قلوبهم. بعد عام كامل على تصويتهم الأول طلبت منهم رئيسة الوزراء تفويضا جديدا من أجل مفاوضات الخروج ولكـن دون أن تقـدم تفاصيل واضحة عن شكل بريطانيا واقتصادها وأمنها بعد الخروج.

لا يعرف حتى الآن ما إذا كان إنجاز الروح القومية الريفية المتمردة للفوز بنتيجة استفتاء الخروج عن الاتحاد الأوروبي سوف يصمد في وجه الضربة التي تلقاها حزب المحافظين في انتخابات التاسع من يونيو. فرغم فوزها، تراجعت الثقة في حكومة المحافظين التي ستقود مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يضعف خيار الخروج في نظر المناصرين له في الوقت الحالي. هكذا، ربما أصبح إجراء استفتاء ثان حول الخروج من الاتحاد الأوروبي مسألة وقت.

كاتب فلسطيني سوري

8