بريطانيا: الصورة والواقع

هذا بلد مهترئ ليس في خدماته الصحية فحسب ولكنه مهترئ في إدارته أيضا حيث أفسد بقاء حزب المحافظين في السلطة كل شيء وهذا أمر لا يشكل إدانة لسياسات هذا الحزب ولكن لسلطة من دون تجديد.
الثلاثاء 2020/06/09
سلطة فاسدة

على الرغم من كل المأساة التي شهدتها دول أوروبا الأخرى من جراء تفشي وباء كورونا، فإن الأوضاع في بريطانيا أسوأ، ليس من حيث عدد الإصابات فحسب، بل ومن حيث نسبة الوفيات بين المصابين أيضا.

ولئن أصبحت هناك بؤر أخرى لتفشي الوباء، لاسيما في البرازيل وروسيا والمكسيك، تثير الكثير من مشاعر المرارة، فالحقائق الإحصائية تشير إلى أن بريطانيا في حال أسوأ منها جميعا، حيث باتت تحتل المرتبة الأولى في العالم في نسبة الوفيات بين المصابين. وهذا مؤشر خطير إلى درجة تكفي للتشكيك بكفاءة مستوى الخدمات الصحية في هذا البلد.

الحقائق تشير إلى أن عدد الوفيات في بريطانيا قد وصل إلى 40 ألف شخص، وعندما يضاف إليهم نحو عشرة آلاف ضحية لم يتم تسجيل وفياتهم في دور رعاية المسنين، وهو ما أشار إليه زعيم حزب العمال المعارض كير ستارمر في مساءلته البرلمانية الأخيرة لرئيس الوزراء بوريس جونسون، فإن مجموع الوفيات في بريطانيا سوف يزيد عن 48 ألف ضحية، وسط عدد مصابين يزيد عن 272 ألف إنسان. وهذا ما يجعل معدل الوفيات بين المصابين يبلغ 17.6 في المئة. وهي أعلى نسبة وفيات في العالم.

هذه النسبة تبلغ 5.8 في المئة في الولايات المتحدة، و6 في المئة في البرازيل، و11.3 في المئة في إسبانيا، و14.2 في المئة في إيطاليا، و15 في المئة في فرنسا، و4.3 في المئة في ألمانيا.

البريطانيون يتمتعون بحس عال من عزة النفس. بل ويتغطرسون فيها حتى ولو كانوا يمرون بأحلك الظروف. وإذا أخطأوا فإنهم مستعدون للتمسك بالخطأ على أن تنجرح لهم تلك العزّة. وهذا مفيد وضار في الآن نفسه

وهناك دواع رقمية، على الأقل، بوسعها أن تشكك في القيمة الحقيقية للهوية البطولية المزعومة لمنظمة الصحة الوطنية في بريطانيا. وهو أمر تنبه إليه الأمير وليام، الثالث في الترتيب على عرش المملكة، والذي أعرب عن خشيته من الأعباء النفسية التي تضعها هذه الهوية على عاتق موظفي هذه المؤسسة.

الشيء المؤكد هو أن عشرات الآلاف من أولئك الموظفين هم من مقاتلي الصف الأول، وهم درع الدفاع الذي سوف يظل يستحق التصفيق، وهناك العشرات بينهم من ضحوا بحياتهم بالفعل في السعي لإنقاذ حياة آخرين. ولكن المؤسسة نفسها ليست على مستوى الوهم الذي يشاع عنها. فهي غير مجهزة على نحو ملائم، كما أنها لا تدفع رواتب تعادل مستوى المسؤوليات التي يتحملها موظفو الصف الثاني والثالث من الأطباء والممرضين وغيرهم، وذلك على عكس امتيازات أخصائيي الصف الأول، الأمر الذي يجعلها مؤسسة ذات طبيعة طبقية مهترئة قياسا بواجباتها الإنسانية.

وعلى امتداد أكثر من عشر سنوات ظلت هذه المؤسسة تعاني من نقص في التمويلات، حتى أصبحت عاجزة عن تلبية الكثير من الاحتياجات الأساسية للمرضى. ولقد أصبحت قائمة الانتظار لإجراء العمليات الجراحية الضرورية جزءا من تجارة شركات التأمين الخاصة التي تكاد لا تقدم للمستفيدين من خدماتها شيئا أهم من القول “لا انتظار إذا اقتضت الحاجة إلى إجراء عملية جراحية”.

ولئن ظل المحافظون يحفرون الأرض من تحت هذه المؤسسة من أجل بيعها في النهاية إلى شركات الرعاية الطبية الرأسمالية، فقد ظلوا ينكرون ذلك على طول الخط.

وهناك هيكلية “بيع” صارخة تغمر هذه المؤسسة إلى درجة يكاد تنفيذها لا يحتاج إلى أكثر من توقيع عروض الشراء للمستشفيات والمؤسسات الفرعية الملحقة بها.

والضغوط لا تأتي من الشركات الأميركية وحدها التي تبيع الصحة لجني الأرباح، بل من شركات الأدوية البريطانية الكبرى التي تريد أن تتحرر من الضوابط المفروضة على أسعار ما تبيعه من دواء.

هذا بلد مهترئ ليس في خدماته الصحية فحسب، ولكنه مهترئ في إدارته أيضا. بقاء حزب المحافظين الطويل في السلطة أفسد كل شيء تقريبا. وهذا أمر لا يشكل إدانة لسياسات هذا الحزب بالضرورة، ولكن سلطة من دون تجديد لا بد في النهاية أن تتحول إلى سلطة فاسدة. حتى تولى قيادتها شخص مفسود طبعا وخلقة، يجرؤ، على غرار نظيره الأميركي الأكثر فسادا منه، على أن يفصل الأشياء على مقاس حذائه.

كيف انتهى هذا البلد إلى هذه الحال؟

بلد مهترئ في خدماته الصحية
بلد مهترئ في خدماته الصحية

هناك مؤسسة إشراف مخملية لا تقل استرخاء وفسادا، تحسب أن حفظ التقاليد أهم بكثير من أي شيء آخر. كما أن هناك مؤسسة إعلام، سوفيتية الضوابط، ترعى بناء صورة مزيفة عن طبيعة الواقع، وعن عظمة لا وجود لها.

قارن لو شئت أن تقارن، فسترى ما أراه: لا أعداد الإصابات ولا الوفيات ولا النسب بينها، بلغت في إيطاليا ما بلغ في بريطانيا. ولو أنك راجعت الصورة عن إيطاليا، فلسوف ترى وكأن القيامة قامت هناك، بينما الجحيم يبدو عاديا هنا في بريطانيا، حتى لكأنه غير موجود أصلا.

هناك شيء مهم يحسن أخذه بعين الاعتبار. وهو أمر إشكالي أيضا. البريطانيون يتمتعون بحس عال من عزة النفس. بل ويتغطرسون فيها حتى ولو كانوا يمرون بأحلك الظروف. وإذا أخطأوا فإنهم مستعدون للتمسك بالخطأ على أن تنجرح لهم تلك العزّة. وهذا مفيد وضار في الآن نفسه. مفيد لأنه يكشف عن معدن صلب لا يخشى أقسى الظروف، وضار لأنه يجعل الإثم في الخطأ إثما مضاعفا. لا يمكن القول إنهم من دون مشاعر. أبدا. ولكنهم يحرصون على عدم إظهارها لكي لا تبدو كدلالة على الضعف.

مشهورة تلك الحادثة: فعندما ودّعت الأمهات أطفالهن الذين تم ترحيلهم في قطار إلى مكان آمن من القصف الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، فقد كن يبتسمن ويلوحن بالمناديل بفرح ظاهر، ولكن ما إن خرج القطار من المحطة حتى أجهشن بالبكاء.

الشيء نفسه حصل مع قضية الخروج من الاتحاد الأوروبي. فلقد صوتت غالبية بسيطة لصالح الخروج. وعندما طرحت القضية من جديد من خلال الانتخابات التي جرت في ديسمبر الماضي، صوتت له غالبية ساحقة، إذ تمسك الناخبون بالإثم، وبالغوا فيه، حتى وهم باتوا يعرفون حجم الضرر.

المأساوي في هذه الطبيعة هو أنها تدفع هذا البلد ليكون أقل مما يستحق. وتعرّضه للمزيد من المخاطر. وتجعله عاجزا عن ردم الهوة المتفاقمة بينه وبين الواقع.

الأكثر مأساوية، هو أنه عندما تكون الصورة أهم من الأصل، فإن المرء سرعان ما يجد نفسه مقيما في متحف مغلق من التصورات البائدة والباردة.

الحقائق تشير إلى أن عدد الوفيات في بريطانيا قد وصل إلى 40 ألفا شخصا، وعندما يضاف إليهم نحو عشرة آلاف ضحية لم يتم تسجيل وفياتهم في دور رعاية المسنين، وهو ما أشار إليه زعيم حزب العمال المعارض كير ستارمر

الصورة تقول إن بريطانيا تستطيع أن تنفق تريليون جنيه إسترليني لتغطية عواقب وباء كورونا. وإنها أقوى بمفردها مما لو كانت جزءا من الاتحاد الأوروبي. وإنها تستطيع أن تعتمد على تحالف “إنجلوساكسوني” مع الولايات المتحدة على حساب كل الآخرين، فهل تتوافق هذه الصورة مع حقائق الاقتصاد، والاستراتيجيات السياسية الحديثة؟

الصورة تقول إن مؤسسة الخدمات الصحية هي واحدة من أعظم المؤسسات الصحية في العالم.

هل هذا هو الواقع؟

وعندما كان يبدو هذا البلد بحاجة إلى “هزة” قوية تحرك المياه الآسنة فيه، في انتخابات ديسمبر الماضي، فماذا حصل؟ اتسعت البركة فحسب.

النسوة اللواتي كن يودعن أزواجهن بالمناديل في الطريق إلى المستشفى، يجهشن بالبكاء الآن، إنما بعد خروج القطار من المحطة.

9