بريطانيا.. انتخابات أم استفتاء

ملف بريكست يسيطر على عقول الناخبين والمترشحين أكثر من أي وعود أخرى تحمل أهمية بالغة.
الثلاثاء 2019/11/19
جونسون يعمل على كسب المعركة

الانتخابات البريطانية البرلمانية المقررة في الثاني عشر من شهر ديسمبر المقبل، هي استحقاق شعبي للفصل في ملف “بريكست” قبل أي شيء آخر. الجميع يريدها أن تكون آخر المعارك بين البقائيين والانفصاليين، لتنهي حربا سياسية واقتصادية مشتعلة في البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات.

لا تُحدث عناوين برامج الأحزاب المتنافسة، البعيدة عن قضية الخروج، أثرا كبيرا لدى الناخبين. تبدو جميعها هامشية مقارنة بمصير “بريكست”. وكأنّ لسان الشارع البريطاني يقول، كل شيء يمكن تأجيله حتى يحسم هذا الأمر. كل شيء يجب أن ينتظر لنفعله لاحقا، إما كدولة مستقلة أو كعضو في الاتحاد الأوروبي.

حتى تلك الوعود البراقة، التي تصدر عن الأحزاب مثل زيادة الإنفاق الحكومي لأرقام كبيرة جدا، أو توفير الإنترنت مجانا للجميع بحلول عام 2030، أو التحول إلى بيئة مستدامة بنسبة مئة بالمئة في 2050. كلها تشبه الفقاعات، التي تجذب الأنظار قليلا، ثم يعود البريطانيون إلى السجال الحقيقي في ميدان البقاء أو الخروج.  

ما يدلل بوضوح على هذه المسألة، تلك العاصفة المستمرة منذ أيام بشأن موقف حزب بريكست من الانتخابات. ذلك الحزب الذي يتزعمه اليميني نايجل فراج ولا يؤمن بأي اتفاق حول الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني أنه يريد أن تشيد المملكة المتحدة حدودا حقيقة بينها وبين التكتل، وتغادره فورا ودون أي اتفاق.

“البريكست” حزب حديث العهد. ولد في شهر مارس الماضي وهو يضم اليوم أكثر من 110 آلاف عضو بين صفوفه. قرر الحزب مؤخرا، وفق رئيسه فراج، تجنب المنافسة مع المحافظين في الانتخابات المقبلة قدر الإمكان، واختار غالبية مرشحيه من الدوائر التي يتطلع إليها حزب العمال المعارض. 

فراج قال إن المحافظين عرضوا عليه منصبا مقابل دعمهم في الانتخابات، فتلقفت المعارضة الخبر وخرجت به إلى الشرطة للتحقيق بمخالفات محتملة لقواعد الانتخابات. بغض النظر عن النتائج وعن صحة ادعاء فراج، فإن دعم “البريكستيين” للمحافظين يزيد من فرص فوزهم بأكثرية نيابية وفقا لاستطلاعات الرأي.

قضية الخروج لا تهمش فقط عناوين البرامج الانتخابية للأحزاب، وإنما تقلل من أهمية الفضائح التي تطالها وساستها. هذه الفضائح تعتبر في الأحوال العادية أخطاء يعاقب عليها الناخبون في صناديق الاقتراع، ولكن يبدو أنها معدومة التأثير أمام الناخب، الذي يبحث عمن ينفذ أو يلغي طلاق لندن وبروكسل دون مواربة أو مماطلة.

وفق هذا المنطق، لن يكترث رئيس الوزراء بوريس جونسون لفضائح من نوع فشله في معالجة ظاهرة الإسلامفوبيا في حزب المحافظين، أو إخفاء تقرير حول تدخل روسيا في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة. كذلك لن يشغل باله كثيرا بتلك الأدلة على ارتكاب جنود بريطانيين لجرائم حرب في العراق وأفغانستان. 

الحشد على ضفتي البقاء والخروج في بريطانيا يبدو واضحا على المستويات الشعبية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ثمة حالة من الانقسام في البلاد تطال الأسرة الواحدة، وتزداد تبلورا كلما اقترب موعد الانتخابات المبكرة، التي تجري بموعد استثنائي لم تعرف مثله البلاد منذ ما يزيد على تسعين عاما تقريبا.  

حشد معسكري البقاء والخروج في بريطانيا يبدو واضحا للأوربيين أيضا. فترى رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك يدعو البقائيين إلى رص الصفوف. ويمارس نوعا من الدعاية لهم، بالقول إن بريطانيا ستفقد مكانتها الدولية بعد انفصال لندن وبروكسل، ولن يبقى لها تأثير في صناعة القرار العالمي بعد مغادرتها للتكتل. 

توسك طالب مؤيدي الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة بعدم الاستسلام. واستعان بكلمات الفيلسوفة الألمانية اليهودية حنا آرنت، ليقول إن يقين البريطانيين بجدوى الخروج لم يصبح واقعا بعد، لأن الأمور وفقا للفيلسوفة آرنت، تصبح راسخة غير قابلة للتغيير حين يبدأ الناس بالإيمان بهذه الفكرة.

أصاب توسك في الإشارة إلى حالة اللايقين، التي لا تزال قائمة لدى فئة من البريطانيين إزاء الخروج. يصعب التكهن بحجم هذه الفئة، ويصعب التكهن أيضا بنيّة أفرادها المشاركة أصلا في الانتخابات المقبلة. ولكن إن أرادوا ذلك فسيلجؤون إلى حزب العمال المعارض نظرا إلى موقفه المراوح بين البقاء أو الانفصال.

تجربة الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة تقول إن أصحاب اللاموقف في بريطانيا لا يعول عليهم كثيرا. فاز في تلك الانتخابات حزب “البريكست” الذي يؤيد الخروج، رغم أن عمره لم يكن يتجاوز ثلاثة أشهر. كما أن عزوف أصحاب اللاموقف عن التصويت ساهم برأي كثيرين في خسارة البقائيين لاستفتاء عام 2016. 

في الاستفتاء التاريخي في 23 يونيو 2016، شارك ثلاثة وثلاثون مليون ناخب من أصل ستة وأربعين مليونا يحق لهم التصويت. نحو ثلاثة عشر مليون ناخب لم يختاروا الخروج أو البقاء. وعدد منهم، لا توجد إحصائية تقدرهم بدقة، ندموا على عزوفهم هذا من اللحظة الأولى لإعلان النتائج.

ربما لن يكرر هؤلاء الخطأ ذاته في الانتخابات المقبلة التي تشبه استفتاء جديدا، أو فرصة أخيرة أوروبية لإنقاذ بريطانيا. ولكن يبقى لصناديق الاقتراع القول الفصل في حسم الخروج لصالح البقائيين أو الانفصاليين، أو ربما تكون مشيئتها في استمرار لعنة بريكست على البريطانيين والأوروبيين لعدة سنوات أخرى.

9