بريطانيا تبدأ هدم جدران المجتمعات الموازية داخلها

إذا كان في نية القادمين الجدد إلى بريطانيا أن يكونوا حصونا ثقافية وسلوكية مناقضة للواقع الثقافي والاجتماعي البريطاني، فإنه من المفضل البقاء في مواطنهم الأصلية والحفاظ على معتقداتهم وسلوكاتهم دون توريدها إلى مجالات حضارية أخرى. هذا ما يلخص مقالة كتبها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون حول التسامح السلبي، وظاهرة توريد القيم التي لا تتماشى مع المنظومة البريطانية.
الخميس 2016/01/21
إزالة الفروق

لندن – إشكالات عديدة يعيشها المسلمون في بريطانيا، خاصة في السنوات الأخيرة، وهو الأمر الذي أكدته العديد من المؤسسات الاجتماعية والجمعيات المعنية بإدماج المهاجرين والأحزاب. لكن الملاحظ في إشكالات الاندماج التي لدى هؤلاء، أنها نابعة من صلب الثقافة المغلوطة التي لديهم حول الإسلام، والتي وردوها إلى داخل المجتمعات الأوروبية عموما والمجتمع البريطاني بشكل خاص، بطريقة دفعت المسؤولين الحكوميين إلى الإشارة إلى هذا الإشكال المجتمعي.

فقد أكد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ضرورة بذل المزيد من الجهود لمساعدة المسلمات على تعلم الإنكليزية لمعالجة التمييز ضدهن ومنعهن من الاختلاط بالرجال في التجمعات المسلمة في بريطانيا. فقد لاحظت جمعيات الهجرة والإدماج في بريطانيا أن السلوكات التي يعيش بها بعض المسلمين في أوطانهم الأولى يحملونها معهم إلى داخل بريطانيا، مشكلين بذلك أحزمة ثقافية موازية للثقافة البريطانية.

ولا تظهر هذه الثقافة الموازية فقط في اللباس والعادات والتقاليد التي يحترمها القانون البريطاني، بل إن تشكل “جيوش كاملة” من النساء اللاتي لا يشاركن في الدورة الاقتصادية الداخلية، ولا يقمن بأدوار إيجابية في المجتمع نتيجة فهم سطحي وموروث لمكانة المرأة، يعد إشكالا عويصا يواجه الإصلاحات الاجتماعية التي تقوم بها الحكومة البريطانية الحالية.

وفي مقال في صحيفة “ذا تايمز” قال كاميرون إن الوقت حان لمواجهة “التوجهات المتخلفة” التي تتمسك بها أقلية من الرجال المسلمين الذين يمارسون “سلطة مؤذية” على حياة النساء. وأشار إلى القبول الخاطئ لفكرة “المجتمع المنفصل” بسبب “التسامح السلبي”.

ويعني بالتسامح السلبي فتح باب العزل أمام الأقليات التي تحمل ثقافات غير قابلة للنقد بسهولة، ومشفوعة بسلوكات عديدة ومرئية تجعل من الاندماج داخل المجتمعات المختلفة أمرا صعب التحقيق. وقد كانت بريطانيا في وقت سابق مرغمة على انتهاج أسلوب التسامح السلبي خاصة أمام المسلمين لترك أتباع هذه الديانة يمارسون حرياتهم الثقافية والدينية بحرية، لكن الأمر تغير حيث تفطنت السلطات إلى حالات تمييز ضد المرأة وهضم لحقوقها وأيضا بناء الأسرة وفق نمط لا يتوافق مع نظام الحياة داخل بريطانيا.
إشكالات الاندماج لدى المسلمين ليست نابعة من الواقع البريطاني بل من القيم المختلفة التي وردوها

وخصص كاميرون، زعيم حزب المحافظين، صندوقا بقيمة 20 مليون جنيه إسترليني (28.5 مليون دولار) لتعليم الإنكليزية للنساء في المجتمعات المنعزلة في إطار مساعي الاندماج في المجتمع. وقال إنه سيتم إرغام المهاجرين على تحسين مهاراتهم في اللغة الإنكليزية وإلا فإنه قد لا يسمح لهم بالبقاء في بريطانيا.

وتؤكد الأرقام أن مسار الانعزال ورسم الحدود الثقافية والحضارية بين المسلمين (من جنسيات معينة وليس جميع المسلمين) وقيم المجتمع البريطاني هو مسار تصاعدي، الأمر الذي ينبئ بتكون مجموعات جانبية تكون شبه مستقلة عن الدورة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة، وهو ما لا يتم قبوله من زاوية النظر القائلة بوحدة الدولة بين مؤسساتها وسكانها وإدارتها السياسية. وأشار كاميرون إلى أرقام جديدة تظهر أن نحو 190 ألف مسلمة يعشن في بريطانيا، 22 بالمئة منهن لا يتحدثن الإنكليزية أو يتحدثن القليل منها، رغم أنهن في بريطانيا منذ عقود. وأشار كاميرون إلى أن هذا القصور متأت أساسا من البيئة الثقافية التي تعيشها المرأة في أسرتها، والتي يغلب عليها الطابع العقدي والتراثي ولا يعترف بالواقع الجديد الذي تعيشه تلك الأسرة في بريطانيا.

وأضاف ديفيد كاميرون أن نحو 40 ألف امرأة مسلمة لا يتحدثن الإنكليزية مطلقا “ولذلك فليس من المفاجئ أن 60 بالمئة من النساء من أصل باكستاني أو بنغلادشي غير ناشطات اقتصاديا”. وربط كاميرون بين هذه المسألة وبين التطرف، قائلا إن “المجتمعات المنفصلة” ساعدت في دفع المهاجرين من الجيل الثاني للبحث عن شيء ينتمون إليه، وأضاف أن المسلمات يبلغن عن “صورة مقلقة عن فرض عدم اختلاطهن بالرجال، والتمييز ضدهن، وعزلهن اجتماعيا عن الحياة البريطانية”. وهذه الظاهرة تعد المسبب الرئيسي والمباشر لنمو أفكار التعصب، باعتبار انعزال الأسرة (الأم مكون رئيسي فيها) عن الواقع المجتمعي العام لأوروبا عموما وبريطانيا خاصة، وبذلك فإن الفجوة بين المعيش داخل الأسرة والمعيش داخل المجتمع تخلق مسافة لدى الأجيال الجديدة تتمثل في الاغتراب.

وقال رئيس الحكومة “يجب أن نقاوم هذه الأقلية من الرجال المتطرفين الذين يقفون وراء استمرار هذه التوجهات المتخلفة ويفرضون مثل هذه الرقابة المسيئة على زوجاتهم وشقيقاتهم وبناتهم، وعلينا ألا نسمح مرة أخرى للتسامح السلبي بأن يمنعنا من قول الحقيقة الصعبة”. وأكد كاميرون أن المجتمع البريطاني يحتاج إلى أن يكون “أكثر حزما بشأن قيمنا الليبرالية وأكثر وضوحا بشأن توقعاتنا من الأشخاص الذين يأتون للعيش هنا ويبنون بلدنا معنا، وأكثر إبداعا وسخاء في العمل الذي نقوم به لكسر هذه الحواجز.”

وقال إن على المهاجرين إجادة اللغة الإنكليزية إذا أرادوا أن يمددوا فترة إقامتهم في بريطانيا أو التقدم بطلب الجنسية. وأضاف “سنقول الآن، إذا لم تحسن مهارتك في اللغة الإنكليزية فإن ذلك سيؤثر على بقائك في المملكة المتحدة، وسيساعد هذا في التوضيح للرجال الذين يمنعون شريكاتهم من الاندماج، تبعات ما يفعلونه”.

13