بريطانيا تبكي ملكا زائلا

يبدو أن بريطانيا العظمى نسيت الطريقة والظروف التي فرضت فيها وصايتها على هونغ كونغ، وأجزاء أخرى من الصين، ولكن المسؤولين في الصين لم ينسوا التاريخ "المذل".
الأحد 2019/07/07
انقلبت الأدوار

الوصاية يقبلها فقط الضعفاء، وتفرض على السفهاء، والصين ليست ضعيفة، وأثبتت أنها ليست سفيهة.

تحذير وزير خارجية بريطانيا، جيريمي هانت، لبكين من “عواقب وخيمة” إن هي خالفت اتفاق إعادة هونغ كونغ إلى سيادتها، نكأ جراح الماضي.

لم تجد بكين ردا أفضل من الرد الذي جاء على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية جينغ شوانغ “يبدو أنه (هانت) يعيش في الخيال، بشأن المجد البائد للاستعمار البريطاني، ويلجأ إلى العادة السيئة في التحدث بفوقية عن شؤون دول أخرى”.

بموجب اتفاق عام 1984، الموقع بين لندن وبكين، تتمتع هونغ كونغ بشبه استقلال حتى عام 2047. وكانت المستعمرة البريطانية السابقة قد شهدت تظاهرات، تزامنت مع عقد قمة الدول العشرين في أوساكا باليابان، طالبت بإلغاء مشروع قانون يسمح بتسليم المطلوبين إلى الصين.

المتظاهرون رأوا في المشروع انتهاكا لمبدأ “بلد واحد ونظامان”، الذي تمت بموجبه إعادة هونغ كونغ إلى الصين عام 1997.

وبغض النظر عما يقصده مشروع القانون بكلمة “مطلوب” -والتي قد تشير إلى جرائم أخلاقية، أو جنائية، أو اقتصادية، أو فساد، أو جرائم أمنية- تحاول بريطانيا الإيحاء بأن المطلوبين هم ناشطون من المجتمع المدني، أو ناشطون سياسيون، وذلك بالإصرار على استخدام تعابير تتعلق بحقوق الإنسان.

يبدو أن بريطانيا العظمى، التي غابت عنها الشمس، دون أن تدرك ذلك، نسيت الطريقة والظروف التي فرضت فيها وصايتها على هونغ كونغ، وأجزاء أخرى من الصين، ولكن المسؤولين في الصين لم ينسوا التاريخ “المذل”.

خلال العام 1839 شهد العالم اندلاع حرب الأفيون الأولى، حينها تدخلت بريطانيا عسكريا ضد الصين، لتنتهي الحرب بجملة من الاتفاقيات المجحفة، وبموجب اتفاقية وقعت عام 1841، أجبرت الصين (المهزومة) على التخلي عن جزيرة هونغ كونغ لصالح بريطانيا، التي منحت أيضا حقوقا تجارية في الصين وفق معاهدة نانجينغ.

وبعد أقل من 15 عاما، اندلعت حرب الأفيون الثانية، وابتلعت إثرها بريطانيا أراضي إضافية، منها شبه جزيرة كولون، ضمت إلى جزيرة هونغ كونغ.

لم تنته متاعب الصين عند هذا الحدّ، لتلحق بها اليابان هزيمة أخرى بين عامي 1894 و1895، وتتكالب عليها القوى الكبرى، تنهش أجزاء منها، فحصل الألمان على خليج كياوتشاو لمدة 99 عاما، وحصل الروس على منطقة بورت آرثر لمدة 25 عاما.

الوليمة لم تفت فرنسا، التي انتزعت من الصين عقدا استأجرت بموجبه منطقة غوانغزوان الغنية بالفحم الحجري، لمدة 99 عاما.

المكاسب التي حصلت عليها الدول الثلاث، فتحت شهية بريطانيا للمزيد، فانتزعت في اتفاقية بكين الثانية، يونيو 1898، جزرا إضافية، بعقد إيجار دون مقابل، لتصبح جزءا من المستعمرة هونغ كونغ.

برفضها التدخل البريطاني في شؤون هونغ كونغ، وردها على تحذيرات وزير الخارجية هانت، تريد بكين أن ترد لبريطانيا دين الماضي، وتذيقها مرارة الهزيمة.

القانون يفرضه الأقوياء، والوصاية لا تصح إلا على الضعفاء.. والصين اليوم دولة قوية بكل المقاييس، لا تبدو عليها أي أعراض للضعف أو الوهن.

لقد أثبتت الصين خلال فترة قياسية، أنها قادرة على تسيير أمورها، دون حاجة لوصاية من مستعمريها السابقين.

تعاني بريطانيا اقتصاديا من “مرض مزمن طويل الأمد”، ووفقا لأرقام رسمية، فإن متوسط الأجور بالقيمة الحقيقية اليوم، ظل في نفس المستوى الذي كان عليه عام 2006. وهي مهددة بالتراجع من مركزها الخامس، في ترتيب اقتصاديات العالم، إلى المركز السابع، يتوقع الخبراء أن تحل الهند مكانها.

على العكس من هذه الصورة القاتمة، دعونا ننظر ماذا حدث في الصين..

تضاعف الاقتصاد الصيني 42 مرة بين عامي 1980 و2017، ويعيش في الصين حاليا أكبر عدد من أصحاب المليارات في العالم، يتصدرهم جاك ما مؤسس شركة “علي بابا”.

بعد أربعة عقود على سياسة “الإصلاح والانفتاح” تحولت الصين إلى قوة اقتصادية كبرى، لا تسبقها سوى الولايات المتحدة.

بالتأكيد، صون حقوق الإنسان قضية مهمة، وهذا ما تفعله حكومة بكين بالضبط، تصون حقوق الإنسان، برفعها المذلة والمهانة عنه، وإنقاذه من الفاقة والعوز، والدليل توضحه الأرقام، وتوضحه زيارة إلى الصين، التي تحول ريفها من مستنقع لإنتاج الرز والأفيون، إلى مدن تضاهي بنيتها التحتية أكبر مدن العالم.

أسواق العالم اليوم غارقة بالمنتجات الصينية، كل شيء بات اليوم يصنع في الصين، وما كان لذلك أن يحدث لولا احترام الصين لحقوق الإنسان.

وعت الصين، التي ذاقت مرارة الفقر في الماضي، أن حقوق الإنسان حدودها ليس الورق والكلمات.. حقوق الإنسان: تعليم، وصحة، ومنزل، وعمل.. وهذا ما تفعله بكين، التي يحق لها أن تسخر من واعظيها.

جميعنا يتذكر يوم تباكى فيه الإعلام البريطاني على طيور للنورس في الخليج العربي، التصق بأجنحتها القطران، الذي اتهم بتسريبه، عامدا، نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين. ورغم أن الصور كانت مفبركة، كما اتضح في ما بعد، إلا أن نفس الإعلام بخل عن التباكي على بلد شرد أهله ودمر بالكامل.

نيابة عن الصين، رجاء، لا تلقوا علينا محاضرات عن حقوق الإنسان.

6