بريطانيا تتأهب لفترة من الجمود السياسي

تواجه بريطانيا شبح الشلل السياسي في حالة نادرة قد تكون الثالثة من نوعها في تاريخ البلاد الحديث إذ يتوقع لها أن تطول لفترة من الزمن بعد أن لاحت بوادر برلمان معلق قبل أن تخوض الأحزاب غمار المنافسة، فيما يرى العديد من الخبراء أنه سيتحتم اجراء انتخابات جديدة.
الثلاثاء 2015/05/05
عدم الحسم في نتائج الانتخابات البريطانية يرجعها البعض إلى تراجع الثقة في السياسيين

لندن - أطلق حزبا المحافظين والعمال أمس الاثنين آخر وعودهما قبل الانتخابات التشريعية البريطانية المقررة الخميس القادم، فيما حددت الأحزاب الصغرى التي يمكن أن ترجح الكفة شروطها لتقديم دعمها لأي من الطرفين.

وبدأ رئيس الوزراء ديفيد كاميرون وغريمه الأول إد ميليباند آخر ثلاثة أيام من حملتهما الانتخابية برسائل واضحة للناخبين حول الخيارات التي أمامهم، في ظل صراع محموم على مقاعد مجلس العموم الـ650.

ومع تساوي الحزبين التقليدين في استطلاعات الرأي واستبعاد حصول أي منهما على الغالبية المطلوبة، فان السباق نحو رئاسة الوزراء سيعتمد على الأرجح على الأحزاب المنافسة الأخرى ويعني ذلك عقد صفقات معها مقابل الاتفاق على وعودها الانتخابية.

وفي مقدمة هذه الأحزاب، الحزب القومي الاسكتلندي بزعامة نيكولا ستيرجن والحزب الليبرالي الديمقراطي الذي يقوده نائب رئيس الوزراء نك كليغ يليهما حزب استقلال بريطانيا “يوكب” بقيادة نايجل فاراج الملقب بـ”السياسي المشاكس".

ويكاد يجمع المتابعون على أن الانتخابات البريطانية لن تسفر عن أغلبية لأي من الحزبين الرئيسيين المحافظين الحاكم والعمال المعارض تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا ويطلق على هذا الوضع بوصف “البرلمان المعلق".

مراقبون يتوقعون ثالث برلمان معلق تشهده بريطانيا في تاريخها الحديث بعد برلماني 1974 و2010

وفي حال لم يحصل أي من الحزبين على الأغلبية لتشكيل الحكومة، فتشهد بريطانيا أياما وربما أسابيع من المفاوضات الحساسة مع الأحزاب السياسية الأخرى لمحاولة التوصل إلى ترتيب لتشكيل حكومة مستقرة.

وإن تحقق ذلك الأمر بالفعل فسيكون ذلك تكرارا لسيناريو الانتخابات الماضية وبه يكون ثاني برلمان بلا أغلبية على التوالي، وربما يعد أسوأ فترة جمود سياسي في تاريخ السياسة البريطانية المعاصرة.

فلم تسفر انتخابات عام 2010 عن فوز واضح لحزب المحافظين المعارض آنذاك على حزب العمال الحاكم فاضطر المحافظون للتحالف مع الحزب الثالث من حيث عدد المقاعد حزب كليغ لتشكيل حكومة ائتلافية.

ولم يكن البرلمان المعلق السابق الحالة الأولى في بريطانيا، بل انتخب البريطانيون برلمانا معلقا في فبراير 1974 وأدى الأمر إلى إجراء انتخابات ثانية في أكتوبر من العام نفسه أي بعد ثمانية أشهر تقريبا.

ويرجع بعض المراقبين عدم الحسم في نتائج الانتخابات البريطانية إلى تراجع ثقة الجماهير في السياسة عموما والانتخابات العامة على وجه الخصوص، لكن أرقام أعداد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات لا توحي بانخفاض كبير يبرر عدم الحسم هذا.

وقد يكون العامل الأبرز في هذا الأمر هو أن الجمهور العادي لم يعد يرى فارقا كبيرا بين الأحزاب الرئيسية التي لم تعد تمثل اليمين واليسار بشكل تقليدي كما كان الوضع قبل نحو ثلاثة عقود.

ترتيب الأحزاب قبل الاقتراع
◄ حزب المحافظين (اليمين الوسط): 34 بالمئة

◄ حزب العمال (اليسار الوسط): 33 بالمئة

◄ حزب استقلال بريطانيا "يوكب" (اليمين المتطرف): 14 بالمئة

◄ الحزب الليبرالي الديموقراطي (الوسط): 8 بالمئة

◄ حزب الخضر (اليساري): 5 بالمئة

◄ باقي الأحزاب بما فيها الحزب القومي الأسكتلندي: 6 بالمئة

وبإمكان حزب العمال أن يشكل حكومة أقلية مدعومة من تحالف مناهض للمحافظين يضم خصوصا القوميين الاسكتلنديين والديمقراطيين الأحرار والخضر وقوميي ويلز، في المقابل لا يمكن للمحافظين التعويل سوى على دعم الحزب الذي يقوده نك كليغ وأحزاب صغرى في إيرلندا الشمالية.

وقبيل موعد توجه الناخب البريطاني لاختيار من يقود البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، لاحت بوادر تحالف خفي بين العمال وقومي والهدف الرئيسي منه إزاحة حزب المحافظين الأكثر عداء لاستقلال أسكتلندا.

ومنذ ثمانينات القرن الماضي والأحزاب السياسية الرئيسية في أوروبا تتجه نحو الوسط السياسي تاركة الأطراف لليمين المتطرف واليسار الراديكالي، وهو ما سيجعل المنافسة على قدم وساق.

وكان التغيير الذي مر به حزب العمال عام 1995 قبل عامين من انتخابات عامة فاز فيها بأغلبية كاسحة على حزب المحافظين الحاكم، الحراك الواضح في المشهد السياسي البريطاني.

وطرح الحزب الذي كان يقوده آنذاك توني بلير شعار “العمال الجدد” متخليا في خطابه السياسي عن سياسات اشتراكية اتسم بها ومقتربا من الوسط بشكل أكبر من منافسيه.

ومنذ ذلك الحين، تهدف الأحزاب السياسية إلى استقطاب قاعدة تأييدها السياسية دون أي نوع من الابتكار السياسي يجعلها تخاطب مؤيدي منافسيها، وكان الأمر طبيعيا حين عاقب الناخبون البريطانيون حزب العمال بإخراجهم من السلطة لكن دون أن يقدموا لحزب المحافظين أغلبية مريحة تؤهلهم للحكم منفردين.

ويعتقد مراقبون أن مشكلة الجمود السياسي يفسح المجال أمام صعود أحزاب ليس لها نفوذ كبير بل هي ذات أفكار متطرفة مثل حزب “يوكب” اليميني المعادي للمهاجرين.

وهذا الجمود لا يقتصر ضرره على بريطانيا وحدها، بل ينسحب على الديمقراطيات الغربية عموما وربما بقية العالم إذ أن بريطانيا على رغم تراجع قوتها ما بعد انهيار الامبراطورية تظل مخزن الحكمة في السياسة والمال والأعمال.

وأظهر آخر استطلاع أجرته هيئة الإذاعة البريطانية الـ”بي بي سي” نشرته السبت الماضي أن حزب المحافظين المحسوب على تيار اليمين الوسط سيحصل على نسبة 34 بالمئة بينما سيحصل حزب العمال المحسوب على يسار الوسط على 33 بالمائة والفارق بينهما يؤشر إلى أنه لا فائز عن جدارة في الانتخابات.

أما حزب “يوكب” فسيحصل على 14 بالمائة بحسب الاستطلاع، وسيحصل الحزب الليبرالي الديموقراطي الوسطي على 8 بالمئة بينما سيحصل حزب الخضر اليساري على 5 بالمئة وباقي الأحزاب على 6 بالمئة.

5