بريطانيا تحاكم "مافيا" إمبراطورية مردوخ

الثلاثاء 2013/10/29
إذعان السياسيين وسطوة المال سبب تمادي مردوخ

لندن- بدأت في محكمة بايلي بالعاصمة البريطانية لندن أمس محاكمة ثمانية متهمين في قضية تجسس صحفيين على شخصيات بريطانية وأعضاء من الأسرة المالكة، وهي الفضيحة التي هزت الإمبراطورية الإعلامية لقطب الصحافة الدولي روبرت مردوخ، وامتدت آثارها إلى الطبقة السياسية والصحافة البريطانية بشكل عام.

وتكتسب هذه المحاكمة ثقلا خاصا بالنظر إلى طبيعة الأشخاص المتابعين فيها، حيث إن المتهمين الأساسيين ريبيكا بروكس وآندي كولسون هما رئيسا التحرير السابقان للصحيفة الشعبية البريطانية السابقة «نيوز أوف ذي وورلد»، التي أغلقت على إثر خروج فضيحة التنصت إلى العلن عام 2011، علاوة على أنهما كانا مقربين من رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون.

وقد وجه الادعاء للمتهمين تهما بالتنصت على الهواتف الجوالة لأكثر من ستمائة شخص دون وجه حق وبطريقة غير قانونية.

وحسب الإجراءات القانونية المتبعة خصص اليوم الأول لاختيار المحلفين قبل بدء المرافعات القانونية. ورغم أن القضية تعتبر قضية رأي عام، وتابعها الإعلام بشكل مكثف منذ البداية فإن جلسات المحاكمة ستجري كالعادة دون تغطية إعلامية.

يذكر أن فضيحة «قرصنة الهواتف» بلغت ذروتها في يوليو/تموز 2011، إلى درجة أن مردوخ اضطر إلى إغلاق الصحيفة التي تعد الأكثر انتشارا في الصحافة البريطانية وعمرها 168 عاما. وأدت الفضيحة إلى تحقيق عام مطول حول ممارسات الصحافة البريطانية التي عرفت بقوتها وتأثيرها على المستويين المحلي والدولي، وتولى التحقيق القاضي البريطاني براين ليفيسون، وقد استمع لشهادات عدد من ضحايا صحف الإثارة. وقد أوصى التحقيق بإقامة جهاز مستقل للمراقبة قادر على إجبار الصحف على التصرف بشكل أفضل. إلا أن نتائج التحقيق لم تترجم على الأرض وبقيت حبرا على ورق.

ويعرف روبرت مردوخ بإمبراطور الإعلام العالمي، نظراً إلى امتلاكه أهم وأكبر المؤسسات الإعلامية التي تضم أشهر الصحف والمحطات التلفزيونية في بريطانيا وبعض البلدان الأوروبية الأخرى، إضافة إلى الولايات المتحدة وأستراليا وسواهما من بلدان العالم الأخرى.

وترجع بدايات تكوين إمبراطوريته الإعلامية إلى أواخر ستينيات القرن الـ20 الماضي، حيث بدأ نشاطه في بلده أستراليا، من خلال شرائه صحيفة «الديلي ميرور» وصحيفة «أستراليان»، ثم أنشأ محطة تلفزيون «القناة 10»، وراح يوسع نشاطه في سبعينيات القرن العشرين بشرائه صحيفة «نيوز أوف ذي وورلد» الأسبوعية البريطانية، التي أصبحت واحدة من أكثر الصحف البريطانية توزيعاً وأوسعها انتشاراً.

وبعد ذلك قام بشراء صحيفة ‹›ذي صن›› حين قاربت على الإفلاس، وأعاد إطلاقها من جديد كي تغدو إحدى أكثر الصحف المقروءة في بريطانيا، ثم قام بشراء صحيفة ‹›تايمز›› بعد تعرضها لأزمة مالية كبيرة.

وبعد عدة سنوات صار مردوخ يمتلك نسبة 40 في المئة من الصحف البريطانية، واستطاع الحصول على هذه النسبة بناء على موافقة استثنائية من الحكومة التي كانت ترأسها مارغريت تاتشر، ومكّنته من تجاوز قانون منع الاحتكار البريطاني.

فضيحة «قرصنة الهواتف» أصبح لها وقع مدو في بريطانيا والعالم، وبلغت ذروتها في يوليو/تموز 2011، وكان بطلاها الإعلاميان ريبيكا بروكس وآندي كولسون

وأسس مردوخ في عام 1985 شركة نيوز كوربورايشن في أستراليا، كي يدير تحت مسماها معظم أعماله، ونظراً إلى ضخامتها وسعة انتشارها تشبه بالعملاق الذي يريد الدخول إلى كل مكان في العالم.

وتمتاز هذه الشركة بهيكليتها الخاصة التي تضم داخلها ما يقارب الـ700 شركة، إلى جانب اتساع حجم عملياتها التي تديرها في أكثر من 60 دولة. ويعزو بعضهم تعقيد بنية شركته إلى محاولة مردوخ الاستفادة القصوى من قوانيــن الضرائب في دول العالم.

وقد ركز مردوخ في الصحافة التي يملكها على سياسة تحريرية تنهض على متابعة وملاحقة المشاهير، من نجوم السينما والرياضة، والتركيز على الفضائح والإثارة الجنسية. وتمكن من ابتزاز رجال السياسة والتواطؤ معهم، وعقد صفقات مشبوهة مع رجال الدولة والبرلمانيين في بريطانيا والولايات المتحدة. وفي سياق ذلك استطاع شراء بعض المسؤولين في النقابات العمالية، حيث تمكن من طرد آلاف العمال دون أي إنذار مسبق.

ويقول مراقبون إن فضيحة مردوخ الصحفية تشكل مناسبة لإعادة التفكير في الصحافة ومختلف وسائل الإعلام، وفي دورها وحدودها، والهدف منها ومحددات اشتغالها.

والملفت أن الفضيحة جرت في بريطانيا ذات التقاليد الصحفية العريقة، وجاءت بعد إدراك المجتمعات الديمقراطية ضرورة استقلال وسائل الإعلام عن سيطرة الدولة، فقد كشفت الأزمة ما كان يحذر منه الباحثون منذ أكثر من عشرين عاما وهو خطورة تركز الملكية في وسائل الإعلام وما ينتج عنها من تزاوج بين (الإعلام والمال الفاسد والسياسة).

وكشفت فضيحة مردوخ الخلل الأخلاقي الذي يتجلى في نمو ظاهرة الصحافة الشعبية الهابطة.

لقد كان مردوخ «رائد» صناعة الصحافة الشعبية، غير أن نجاحه لا يعود إلى ذكائه وفطنته، بل إلى البيئة الاجتماعية والسياسية الحاضنة للصحافة الصفراء.

والسؤال المطروح إذا كان مردوخ بهذا السوء من الأفعال والأقوال، وبهذه الخطورة على الإعلام والسياسة.. لماذا الصمت عنه كل هذه السنين التي أمضاها يدمر وسائل الإعلام الجادة ويطرد الصحفيين المحترفين المحترمين بدءا بأستراليا وانتهاء بأميركا؟

18