بريطانيا تشن الحرب على النفايات البلاستيكية

النفايات البلاستيكية تغزو كل الأرض، ومخاطرها وصلت إلى الملح البحري بحسب ما ذكره باحثون، حيث أنه تم العثور على جسيمات بلاستيكية في ملح “فلور دي سيل”، وهو ملح يتشكل من مياه البحر المتبخرة. وتتكرر محاولات الجمعيات والناشطين إضافة إلى القوانين في دول العالم للحدّ من انتشار هذه النفايات في البر والبحر كما فعلت بريطانيا مؤخرا، لكن المشكلة تظل قائمة ما لم ينتشر الوعي بمخاطر النفايات البلاستيكية وطرق تلافيها.
السبت 2018/01/20
مواد تتطلب المئات من السنوات لتتحلل عضويا

لندن - يجوب متطوعون مولعون بالرياضة المائية واقفين على ألواح “بادل بورد” للتجذيف بهدف تنظيف نهر التايمز من المخلفات البلاستيكية التي تغزو العاصمة البريطانية، في محاولة لتوعية الرأي العام بحجم هذه المشكلة.

في الثامنة صباحا، تسطع أشعة الشمس على جسر كيو الشهير عند نهر التايمز، فتنفض طيور البط عنها مياه النهر، فيما تتنقل بجعات بخطوات رشيقة… هذا المشهد يبدو أقرب إلى قصص الخيال لولا الأكواب والعبوات التي تطفو على سطح الماء والأكياس البلاستيكية المعلقة على الأشجار.

وبعدما سئموا من رؤية مرتعهم الأول متسخا، أطلق أعضاء في جمعية “أكتيف 360″ لرياضة “بادل بورد” دورات لتنظيف النهر والقنوات المائية التي تجتاز العاصمة البريطانية.

وفي صبيحة الجمعة، يعاين بول هيمان ولويز نولان وجيمس روردا الوضع في جزيرة صغيرة. وبعد فترة قصيرة لا تتعدى نصف ساعة، يملأ هؤلاء المتطوعون دلوا كبيرا بالنفايات.

تقول لويز نولان “جمعنا اليوم عبوات بلاستيكية وسدادات وحبالا من البلاستيك والكثير من الأكياس من أنواع مختلفة إضافة إلى أكواب، والأسوأ من كل ذلك وجدنا أكياسا مخصصة لمخلفات الكلاب، يبدو أنها منتشرة في كل مكان”.

كل هذه المواد تتطلب المئات من السنوات لتتحلل عضويا. وتقول الرياضية إن هذا الحصاد متواضع نسبيا إذ أن الكمية التي نجمعها قد تكون أكبر بثلاث مرات إلى أربع في أوقات المد.

وإذ تؤكد لويز أن القيام بهذه المبادرة البسيطة من أجل البيئة توفر “شعورا حقيقيا بالرضا”، يشير مؤسس الجمعية بول هيمان إلى محدودية هذه الخطوة قائلا “الخطر مردّه إلى أن عمليات التنظيف التي نقوم بها ليست سوى تغطية للمشكلة”.

ويضيف “لا فائدة من الاكتفاء بتنظيف مخلفات الناس بل يجب البدء بالتوقف عن إنتاج النفايات”. لأن النفايات البلاستيكية تشكل خطرا أساسيا على البيئة والإنسان، لكونها مواد غير قابلة للتحلل والتفكك. ولهذا تحاول الجمعية توعية الرأي العام عبر مواقع التواصل الاجتماعي بمخاطر المخلفات البلاستيكية، أما آخر رهاناتها فيتمثل في إقناع أصحاب الحانات في لندن بالتخلي عن الأكواب المعدة للاستخدام مرة واحدة والتي ترمى بالمئات في النهر.

وبدأت هذه المساعي تستقطب مؤيدين لها تدريجا، بدءا من حكومة تيريزا ماي التي أعلنت أخيرا عن خطة لمكافحة “إحدى أكبر الآفات البيئية الحالية”.

حصاد غير كاف من جمع نفايات خطيرة على صحة الإنسان

وأعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي خطة جديدة لمكافحة النفايات البلاستيكية تنص على فرض بدل مالي شامل على استخدام أكياس البلاستيك، غير أن هذه الإجراءات لا تزال غير كافية حسب منظمات بيئية وقوى المعارضة. وأوضحت ماي أن هذه الخطة ترمي إلى التخلص من “كل مخلفات البلاستيك التي يمكن تفاديها بحلول عام 2042″.

وستتيح الخطة أيضا توسيع نطاق فرض بدل مالي على استخدام أكياس البلاستيك والمعمول به منذ نهاية 2015 ليشمل كل المتاجر في إنكلترا، بينما لا يطال التشريع الحالي سوى المتاجر الكبرى التي يتعين على زبائنها دفع مبلغ 5 بنسات (7 سنتات من الدولار) عن كل كيس. وهذا التدبير مطبق حاليا في أسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، المناطق الثلاث الأخرى التي تتألف منها المملكة المتحدة.

ومع التنديد بما اعتبرتها “إحدى أكبر الآفات البيئية الحالية”، أكدت تيريزا ماي أنها تريد “جعل جيلنا الأول يترك الطبيعة بحالة أفضل مما كانت عليه”.

إلا أن منظمة “غرين بيس″ البيئية اعتبرت أن التدابير المعلنة قاصرة عن توفير الحل المطلوب بالنظر إلى حجم الأزمة البيئية.

وأسفت لويز إدج المسؤولة في المنظمة في بريطانيا لما رأت أنه “تفويت للفرصة”، منتقدة عدم إتيان الخطة على ذكر إقامة نظام للإرشادات، وهي آلية مجربة لاستبعاد العبوات البلاستيكية وغيرها من المستوعبات التي تمثل عشرات آلاف الأطنان من المخلفات سنويا في البلاد.

وفي بريطانيا وحدها، كمية النفايات من المنتجات البلاستيكية المخصصة للاستخدام مرة واحدة قادرة على ملء مساحة توازي ألف مرة مساحة قاعة ألبرت هال الشهيرة للحفلات في لندن والتي تتسع لخمسة آلاف متفرج، حسبما أكدته رئيسة الوزراء.

تتخلص المملكة سنويا من 2.5 مليار كوب قهوة يستخدم مرة واحدة

وقالت ماري كراي رئيسة لجنة التدقيق البيئي في البرلمان “تتخلص المملكة المتحدة سنويا من 2.5 مليار كوب قهوة يستخدم مرة واحدة، وهو ما يكفي لتطويق الكوكب خمس مرات ونصف المرة”.

وتابعت “ندعو إلى تحرك من أجل خفض عدد الأكواب غير القابلة لإعادة الاستعمال والتشجيع على استخدام الأكواب العادية بدلا منها وإعادة تدوير كل الأكواب التي تستخدم لمرة واحدة بحلول 2023″. وذكرت اللجنة أنه يجب حظر هذه النوعية من الأكواب ما لم يتم الوفاء بهدف إعادة التدوير.

وتنص خطتها خصوصا على فرض بدل مالي في مقابل استخدام الأكياس البلاستيكية في كل المتاجر بإنكلترا، في حين لا يطال التشريع الحالي المعتمد في هذا المجال سوى المتاجر الكبرى.

وعلى صعيد الشركات، ثمة تبدل أيضا في الذهنيات، فقد تعهدت سلسلة متاجر “أيسلاند” المتخصصة في المنتجات المجلدة الاستغناء تماما عن الأغلفة البلاستيكية للسلع المباعة باسمها بحلول السنوات الخمس المقبلة.

كذلك تتنافس شبكات المقاهي الشهيرة مثل “ستاربكس″ و”بريتا مانجيه” و”كوستا” على اعتماد أفكار للتصدي لهذه المشكلة، من بينها تقديم تخفيضات للزبائن الذين يحضرون معهم أكوابهم الخاصة أو فرض بدل مالي أعلى على الزبائن الذين يختارون شرب القهوة بأكواب مخصصة للاستخدام مرة واحدة.ومنعت بريطانيا تصنيع المنتجات التي تحتوي على ميكروبيدات، في ما يعتبر واحدا من أقسى قرارات الحظر في العالم، على القطع الضارة من البلاستيك.

وبموجبه، سيتوقف المصنّعون عن إضافة هذه القطع الصغيرة إلى الكثير من مستحضرات التجميل، ومنتجات العناية الشخصية، مثل مواد دعك الوجه ومعجون الأسنان وهلام الاستحمام. وذلك وفق ما أورده موقع “ذا أندبندنت”.

كذلك يعمل الاتحاد الأوروبي على التصدي للمخلفات البلاستيكية للمنتجات المخصصة للاستخدام مرة واحدة، محددا هدفا يقضي بجعل كل هذه الأغلفة قابلة للتدوير بحلول العام 2030.

ويقول بول هيمان “هذه السنة، ثمة أمر ما يحصل حتما”، من دون الاقتناع تماما بالوعود التي قطعتها الحكومة البريطانية.

ويضيف “ما أعلنوه مثير للاهتمام لكن لا شيء ملموسا”.

وفي انتظار ثورة ضد النفايات البلاستيكية، يدعو الناشط أيضا السكان إلى “إعادة النظر في نمط حياتهم وفي ما لا يحتاجون إليه حقا. إعادة النظر في استعمال كوب قابل لإعادة الاستخدام بداية جيدة”.

17